بقلم:غزة مجيد
في السياسة، هناك فرق كبير بين النقد والحقد؛ فالنقد موقف يُبنى على الوقائع، أما الحقد فهو خصومة عمياء تبحث عن أي ذريعة للانتقام. النقد يواجه المسؤول بحصيلته وقراراته، بينما الحقد يلاحق أسرته وأبناءه، ويحوّل الاختلاف السياسي إلى عقوبة جماعية.
وأقولها منذ البداية حتى لا يزايد عليّ أحد: لم أكن يوماً من المطبلين، ولا من أصحاب الولاء الأعمى. كما أنني كنت من بين المنتقدين لتدبير محمد الزكراني، رئيس جماعة خريبكة، واختلفت معه في ملفات وقرارات مرتبطة بالشأن المحلي. موقفي كان واضحاً، وسيظل كذلك ما دامت أسباب النقد قائمة.
لكنني أنتقد ولا أحقد، أختلف ولا أظلم.
هناك من أراد أن يحوّل انتقادنا لتدبير رئيس الجماعة إلى كراهية شخصية للرجل ولكل من يحمل اسمه. وهؤلاء لم يفهموا بعد أن السياسة ليست ثأراً قبلياً، وأن المعارضة ليست رخصة لتصفية الحسابات مع الأبناء والعائلة.
اليوم، يكثر اللغط حول هالة الزكراني، بعدما أخذت زمام المبادرة داخل حزب الاستقلال، وجرى تداول اسمها لقيادة اللائحة الجهوية للنساء الاستقلاليات. وبدلاً من مناقشة مسارها السياسي، وموقعها داخل مجلس جهة بني ملال-خنيفرة، وتجربتها بصفتها رئيسة لجنة، اختار البعض الطريق الأسهل: إنها ابنة محمد الزكراني!
وكأن اسم العائلة أصبح تهمة سياسية.
هالة ليست مطالبة بالدفاع عن حصيلة والدها، كما أنها لا تستحق امتيازاً لمجرد أنها ابنته. لا نعطيها حصانة عائلية، ولا نصدر في حقها إدانة عائلية. معيارنا الوحيد يجب أن يكون ما قدمته هي، وما تحمله من أفكار، وما تستطيع الدفاع عنه داخل المؤسسات.
نعم، من حقنا أن نسأل: ماذا قدمت هالة للجهة؟ وما تصورها لخريبكة؟ وما القيمة التي ستضيفها إلى البرلمان إذا وصلت إليه؟ لكن ليس من حقنا اختزال امرأة لها مسارها ومسؤولياتها في عبارة: «بنت رئيس الجماعة».
فمن يرفض توريث المناصب يجب أن يرفض أيضاً توريث الخصومات.
لا يمكن أن نقول إن الأبناء لا ينبغي أن يرثوا امتيازات آبائهم، ثم نطالبهم، في الوقت نفسه، بأن يرثوا أخطاءهم وخصومهم. العدالة لا تتجزأ؛ إما أن نحاسب كل إنسان على أفعاله، وإما أن نعود إلى منطق القبيلة، حيث يُدان الفرد فقط بسبب اسمه ونسبه.
وقد حسم القرآن الكريم هذه المسألة بقاعدة أخلاقية خالدة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
والأغرب أن بعض الذين يهاجمون هالة ويتنمرون عليها هم من أبناء خريبكة. بدل أن يطالبوها بالترافع عن مدينتها، وأن يضعوا أمامها ملفات الإقليم وانتظارات ساكنته، انشغلوا باسم والدها، وكأنهم يفضلون أن يأتي «البراني» ليمثلهم، على أن تحصل ابنة مدينتهم على فرصة سياسية.
إن وجود ابنة خريبكة داخل البرلمان ليس في حد ذاته إنجازاً، لكنه قد يتحول إلى مكسب إذا حملت هموم المدينة ودافعت عن مصالح الإقليم. لذلك، لا ينبغي أن نقدم لها شيكاً على بياض، ولا أن نغلق الباب في وجهها قبل أن تبدأ. المطلوب هو الدعم المشروط بالعمل، والثقة المرتبطة بالنتائج، والمحاسبة المبنية على الحصيلة.
أما السب والتشهير والتقليل من شأنها بسبب والدها، فلا علاقة له بالنقد السياسي. إنه تنمر يختبئ وراء شعارات المعارضة، وعجز عن مواجهة الأفكار بالأفكار.
ولمن قد يتهمني بتغيير موقفي أقول: موقفي من تدبير محمد الزكراني لم يتغير، ولن أتراجع عن أي نقد أعتبره مشروعاً. لكنني لن أسمح لخلافي معه بأن يحولني إلى شخص ظالم، يحاكم ابنته بالنيابة عنه. فالإنصاف الحقيقي لا يظهر عندما تدافع عن المقربين منك، بل عندما ترفض الظلم حتى في حق من تختلف مع عائلته.
كما أن دعمي السياسي ظل مرتبطاً بالدكتورة حنان غزيل، زوجتي، إيماناً بكفاءتها ومسارها. وهذا لا يمنعني من قول كلمة حق في حق هالة الزكراني، لأن الاعتراف بحق الآخرين ليس تطبيلاً، والإنصاف لا يعني الانتماء إلى معسكرهم.
إذا أخطأت هالة، سننتقدها. وإذا قصرت، سنحاسبها. وإذا نجحت في خدمة خريبكة، سندعمها ونقول لها أحسنت. أما أن نحكم عليها مسبقاً بسبب اسمها العائلي، فذلك ليس موقفاً سياسياً، بل حكم جاهز بلا محاكمة.
هالة الزكراني ابنة خريبكة، وإذا استطاعت الوصول إلى البرلمان باستحقاق، فعليها أن تدرك أن موقعها لن يكون امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية تجاه مدينة انتظرت طويلاً من يدافع عنها داخل مراكز القرار. وعندها سنحاسبها على صوتها ومواقفها وحصيلتها، لا على اسم أبيها.
ننتقد محمد الزكراني في تدبيره، ونختلف معه حين نرى ما يستوجب الاختلاف، لكننا لا نحقد عليه، ولا نمد خلافنا إلى أسرته. فالمعارضة التي تفقد عدلها تتحول إلى انتقام، والسياسة التي تعاقب الأبناء على آبائهم ليست ديمقراطية، بل نسخة حديثة من الثأر القديم.
الخلاصة بسيطة: لا تجعلوا من هالة قديسة لأنها ابنة رئيس الجماعة، ولا تجعلوا منها متهمة للسبب نفسه. اتركوها تدخل امتحان السياسة باسمها، ثم حاسبوها على ورقتها هي.
ففي دولة المؤسسات، لا أحد يرث البراءة، ولا أحد يرث الإدانة.




