رابطة التعليم الخاص بالمغرب ترافع أمام الأحزاب السياسية, مطالبة بشراكة استراتيجية، وإنصاف للمدرسين، ودعم للأسر المتوسطة.

30 أغسطس 2026
رابطة التعليم الخاص بالمغرب ترافع أمام الأحزاب السياسية, مطالبة بشراكة استراتيجية، وإنصاف للمدرسين، ودعم للأسر المتوسطة.

إدريس سحنون

في ظرف وطني تتطلع فيه المملكة المغربية إلى ترسيخ مكانتها بين الدول الصاعدة، وبناء اقتصاد قادر على المنافسة ومجتمع متماسك الأواصر، وفي خضم الاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، رفعت “رابطة التعليم الخاص بالمغرب” رؤية ترافعية إلى الأحزاب السياسية وصناع القرار، داعية إلى وضع قطاع التربية والتكوين في صميم المشروع الوطني، وإعادة الاعتبار لدور القطاع الخاص والطبقة الوسطى.

وفي هذا الإطار، شدد الأستاذ محمد حنصالي، الرئيس الوطني للرابطة، في كلمة رسمية حملت عنوان “من أجل مدرسة تواكب تطلعات المغاربة وطموح المغرب الصاعد”، على أن المدرسة ليست مجرد فضاء لتلقين المعارف، بل هي المؤسسة التي يصنع من خلالها الإنسان المغربي القادر على مسايرة التحولات، والإبداع، والمنافسة، والإسهام في بناء وطنه. وأكد رئيس الرابطة أن النقاش الانتخابي حول التعليم ينبغي ألا يقتصر على تدبير المنظومة الراهنة، بل يتعين أن يرتقي إلى سؤال أكبر: “أي مدرسة نريدها للمغرب الذي نطمح إليه؟”، مبرزا أن هذا السؤال يضع الجميع أمام خيارالتطلع إلى مدرسة تستجيب لانتظارات المغاربة وتواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتنتج الكفاءات، وتكرس قيم المواطنة، وتمنح كل طفل – أيا كانت ظروفه الاجتماعية أو المؤسسة التي يتلقى فيها تعليمه – فرصة حقيقية لبناء مستقبله.

وفي تصويب للمفاهيم السائدة، نفى حنصالي وجود أي تعارض بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي، معتبرا إياهما مكونين لمنظومة تربوية وطنية واحدة، يتكامل دوراهما خدمة للمتعلمين والمجتمع. وأضاف أن القطاع الخصوصي أسهم على مدى عقود في توسيع العرض المدرسي، واستقطاب الاستثمارات الوطنية، وخلق فرص الشغل، والتخفيف من الضغط عن المدرسة العمومية،حتى غدا خيارا لعدد كبير من الأسر. ومن هذا المنطلق، دعا إلى إرساء شراكة حقيقية ومسؤولة بين الدولة ومختلف مكونات المنظومة، تقوم على الوضوح والإنصاف والاستقرار وتكامل الأدوار.

وعلى صعيد صون القدرة الشرائية، شدد حنصالي على ضرورة أن تحضر قضية الأسرة بقوة في البرامج الانتخابية، لافتا إلى أن جزءا وازنا من الطبقة المتوسطة المغربية اختار التعليم الخصوصي، متحملا في سبيل ذلك كلفة مالية متزايدة.وأوضح أن الحفاظ على قدرة هذه الأسر على تعليم أبنائها هو بمثابة حماية للطبقة التي تشكل ركيزة الاستقرار الاجتماعي والدورة الاقتصادية الوطنية، مؤكدا أن دعم هذه الأسر لا يعني منح امتياز للقطاع الخاص، بل هو استثمار مباشر في الأسرة وفي تماسك المجتمع. ودعا، بناء على ذلك، إلى ابتكار آليات عادلة وناجعة للدعم المالي، محورها المتعلم والأسرة، لا نوع المؤسسة التعليمية.

أما فيما يخص الإطار التنظيمي والمؤسساتي، فقد دعا حنصالي إلى الانتقال من علاقة قائمة على التدبير الإداري إلى شراكة استراتيجية واضحة المعالم بين الدولة والتعليم الخصوصي، مشيرا إلى أن مقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 توفر أرضية خصبة لسن التعاقد والشراكة. وأوضح أن تحيين الإطارالتنظيمي للقطاع غدا ضرورة ملحة لمواكبة التحولات، وضمان الاستقرار، وتشجيع الاستثمار، وربط المسؤولية بالمحاسبة والجودة، مبرزا أن الاستثمار في التربية استثمار ممتد الأثر في الإنسان لعقود من الزمن.

وفي حديثه عن العنصر البشري، أكد حنصالي أنه “لا جودة بدون مدرس”، باعتباره القلب النابض للعملية التعليمية. ودعا إلى إنصاف أطر التعليم الخصوصي عبر فتح آفاق التكوين والتأهيل المستمر، والاعتراف بخبراتهم وممارساتهم وفق أطر قانونية واضحة، مشددا على أن قضية الحماية الاجتماعية والتقاعد لهذه الفئة لا ينبغي أن تبقى خارج دائرة النقاش الوطني، ذلك أن من خدم المدرسة والتلميذ لعقود يستحق أن ينعم بالكرامةوالاستقرار.

وفي معرض حديثه عن المقاولة التربوية، أشار حنصالي إلى أن المؤسسات التعليمية الخاصة، ولا سيما الصغرى والمتوسطة منها،تواجه تحديات متنامية جراء ارتفاع تكاليف الاستثمار والتسيير ومتطلبات الجودة، نافيا أن يكون المطلوب منافع أو امتيازات خاصة، بل بيئة مستقرة وعادلة تشجع الاستثمار وتحمي العرض المدرسي ومناصب الشغل.

وحول تطلعات الرابطة من الأحزاب السياسية، أوضح حنصالي أن الرابطة لا تتقدم بلائحة مطالب فئوية، بل تطرح قضايا تعد جزءا من ورش الإصلاح الوطني، تشمل دعم الأسرة والطبقة المتوسطة، وتفعيل الشراكة الاستراتيجية، وحماية الاستثمار التربوي،وإنصاف الأطر التعليمية وتطوير تكوينها، وتحديث الإطار القانوني، وتعزيز المشاركة الفعلية للمهنيين في صناعة القرار. وختم كلمته داعيا إلى اعتماد الحوار والتشاركية والإنصات للفاعلين الميدانيين، ذلك أن السياسات التعليمية لا تنجح بالنصوص وحدها، بل بقدرتها على ملامسة الواقع والاستجابة لحاجات المجتمع.

واختتم رئيس الرابطة كلمته مؤكدا أن الدفاع عن التعليم الخصوصي ليس دفاعا عن امتيازات، بل دفاع عن حق المدرسة المغربية في التطور، وحق الأسرة في الاختيار، وحق المدرس في الكرامة، وحق المتعلم في تعليم جيد، مبرزا أن الاستثمار في المدرسة استثمار في الإنسان والمجتمع واقتصاد المغرب الصاعد.

ومن خلال استقراء المضامين الفكرية والنبرة الخطابية للوثيقة، تتبدى شخصية الأستاذ محمد حنصالي لا بوصفه فاعلا جمعويا يدافع عن مصالح قطاعية فحسب، بل بوصفه مهندس رؤية وفاعلا تربويا، براغماتيا ، ذا حس وطني واجتماعي. فهو يمتلك خطابا يتسم بالرصانة والهدوء والابتعاد عن منطق المواجهة؛ إذ يرفض تموضع التعليم الخصوصي في منافسة “صفرية” مع المدرسة العمومية، ويصر على تقديم القطاع الخاص شريكا بنيويا في مسار إصلاح المنظومة التعليمية. وتتجلى حنكته القيادية في قدرته على تحويل مطالب المدارس الخاصة من “ملف استثماري ” إلى “قضية مجتمعية واقتصادية تمس استقرار الطبقة المتوسطة المغربية”. كما يعكس خطابه إيمانا راسخا بقيمة العنصر البشري؛ إذ لم يفصل دفاعه عن المستثمرين عن مطالبته الحازمة بالكرامةوالحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتقاعد للمدرسين. إنه رجل توافق وشراكة، يستند إلى المرجعيات التشريعية الوطنية – كالقانون الإطار 51.17 – لتأسيس علاقة عادلة ومتوازنة بين الدولة والقطاع الخاص، تضمن الاستمرارية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتضع المتعلم المغربي في قلب رهانات المستقبل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق