بقلم: ابو اكرم
في السياسة، ليست كل الأسئلة التي تُطرح تحت قبة الأحزاب أو داخل الكواليس التنظيمية أسئلةً عن أشخاص بقدر ما هي أسئلة عن فلسفة حكم كاملة. أحيانًا ننشغل بالأسماء فننسى المنهج، ونغرق في من سيخلف من؟ بينما السؤال الأعمق هو: كيف تُدار السلطة أصلًا؟ وبأي منطق تُتخذ القرارات؟
هكذا تمامًا يبدو النقاش الدائر اليوم حول ما يجري داخل .
فكلما تحرّك الحزب خطوة، خرجت القراءة الجاهزة: أخنوش يورّث، أخنوش يخاف، أخنوش يبحث عن خليفة يحمي مصالحه. وكأن السياسة تحوّلت فجأة إلى قصة عائلية، أو شركة خاصة تبحث عن وليّ عهد.
لكن، حين نضع العاطفة جانبًا ونقترب قليلًا من منطق الوقائع، تبدأ الصورة في التشكل بشكل مختلف تمامًا.
لنقبل، جدلًا، فرضية التوريث. لنفترض فعلًا أن يريد إعداد وريث سياسي. المنطق البسيط يقول إن الوريث يكون دائمًا الأقرب، والأكثر احتكاكًا، والأشد التصاقًا بالمطبخ التنظيمي والقرار اليومي. في هذه الحالة، الاسم الذي يقفز تلقائيًا إلى الذهن ليس اسمًا إداريًا هادئًا، بل رجل اشتغل معه منذ البدايات، رافقه في الحزب والحكومة، وتحوّل إلى صوته السياسي في الواجهة. إنه ؛ مدير سابق للحزب، عارف بخيوطه الداخلية، حاضر في المعارك الإعلامية اليومية، ومدافع شرس عن اختيارات الحكومة. بلغة السياسة، يمكن وصفه بسهولة بأنه الابن السياسي لأخنوش.
لو كانت هناك نية توريث فعلية، لكان الطريق أمام بايتاس معبّدًا بلا مقاومة. كان يكفي قرار تنظيمي بسيط، ليُقدَّم بوصفه الامتداد الطبيعي للقيادة الحالية.
لكن الذي حدث كان العكس تمامًا.
لم يُدفَع ببايتاس إلى قمة التنظيم، ولم يُصنع منه زعيم بديل. بل بقي في موقعه الحكومي، حيث يؤدي وظيفة محددة وواضحة. في المقابل، وقع الاختيار على ، شخصية أقرب إلى التدبير الهادئ منها إلى الزعامة الصاخبة. رجل تنظيم أكثر منه رجل منصات. مُسيّر أكثر منه خطيب. وهنا تحديدًا تسقط نظرية التوريث من أساسها.
لأن التوريث يختار الأقوى والأقرب، بينما التدبير يختار الأنسب والأهدأ.
وهذا الفرق ليس لغويًا، بل فلسفيًا.
في كثير من تجاربنا السياسية، نخلط بين صورة القائد وصورة المدبّر. نبحث عن الكاريزما حيث المطلوب هو الانضباط، ونطلب الزعامة حيث تحتاج المرحلة إلى التوازن. لكن الأحزاب لا تسقط بسبب نقص الخطب الرنانة، بل بسبب صراعات الأجنحة والطموحات المتضاربة. وكلما ظهر داخلها زعيم قوي، ظهر معه صراع أقوى.
ربما لهذا اختار الأحرار، في هذه اللحظة، منطق المؤسسة بدل منطق البطولة الفردية.
المسألة تُشبه إلى حد بعيد ذلك النقاش الدستوري الذي أثير يومًا داخل حول تقارير ، حين نبّه إلى الفرق بين النص وروحه. يومها لم يكن الخلاف حول مسطرة شكلية، بل حول معنى الرقابة نفسها: هل نتمسك بالحرف أم بالمقصد؟ هل نؤدي الطقوس أم نحقق الجوهر؟
الشيء نفسه يحدث هنا. من يقرأ المشهد حرفيًا يرى: تغيير اسم = توريث.
لكن من يقرأه بروح السياسة يرى: توزيع أدوار = تدبير مؤسساتي.
أخنوش، شئنا أم أبينا، لا يشتغل بمنطق “صناعة خليفة”. مساره يُظهر عقلية مختلفة: عقلية المقاولة والدولة، حيث لكل شخص وظيفة محددة. هذا للتنظيم، ذاك للحكومة، ثالث للإعلام، ورابع للتفاوض. شبكة مهام، لا هرم ولاءات. هو أقرب إلى من يبني نظامًا يشتغل بدونه، لا إلى من يبحث عن نسخة عنه.
الخائف يبحث عن وليّ عهد.
الواثق يبني مؤسسات.
الأول يريد اسمًا يحميه.
الثاني يريد توازنًا يستمر بعده.
ومن يتأمل اختيارات الأحرار اليوم يلاحظ أنها تميل بوضوح إلى النوع الثاني. لا ضجيج، لا صناعة زعماء، لا سباق على الكاريزما. فقط تدبير بارد، وحسابات دقيقة، وتقسيم أدوار.
قد لا يرضي هذا المنطق عشّاق الخطابة والبطولات، لكنه في منطق الدولة أكثر استقرارًا وأقل كلفة.
في النهاية، أسهل شيء هو إطلاق تهمة “التوريث”. عبارة جذابة، خفيفة، قابلة للتداول.
لكن أصعب شيء هو قراءة الوقائع كما هي.
والوقائع تقول ببساطة:
لو أراد أخنوش وريثا، لكان بايتاس أول الاسماء.
ولو أراد زعيمًا بديلًا، لصنعه من دائرته الضيقة.
لكنه اختار مُسيّرًا، لا منافسًا. اختار الاستمرارية، لا النجومية.
وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين حزب يطارد الزعامة… وحزب يفكر بمنطق الدولة.


