بقلم: غزة مجيد
السيد رئيس جماعة المحترم، دعني لا أبدأ بالأرقام ولا بالتقارير، بل بالتذكير… فالله تعالى يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولهذا أستحضر قصة ، ليست للتسلية ولا للبلاغة، بل للعبرة، قصة رجلٍ جلس طويلًا على الكرسي حتى ظنّ أن الكرسي خُلق له.
ذلك هو ، لم يكن ينقصه ملكٌ ولا مال، وكان الجند من حوله صفوفًا والناس صامتين، وحين يطول الصمت يصدّق الحاكم كذبته، فقال في لحظة غرور: أنا ربكم الأعلى، توهّم أنه يحيي ويميت وأن لا أحد يحاسبه وأن سلطته أقوى من العدالة، لكن قدرة الله كانت أعظم من كل ما جمع، فغرق وانتهت القصة في لحظة؛ لا القصور أنقذته ولا الهتاف حوله نفعه ولا الكرسي حماه.
سيدي الرئيس، مدينتنا اليوم لا تخاف الطغيان بل تخاف الإهمال، خريبكة لا تغرق في البحر بل تغرق في الانتظار، سنوات تمرّ والمشاريع متعثرة والأوراش نصف مكتملة والوعود أكبر من الواقع، إسمنت بلا حياة ولافتات بلا أثر وخطط تُعلن ثم تختفي وكأن الزمن في هذه المدينة يسير بقدمٍ مكسورة.
ثم يأتي المال العام، ذلك المال الذي يبدو في التقارير أرقامًا صامتة لكنه في الحقيقة تعب الناس وعرقهم؛ هو خبز البسطاء ودواء المرضى وأمل الشباب، حين يُهدر لا تضيع الميزانية فقط بل تضيع الثقة، وسوء التسيير ليس خطأً إداريًا عابرًا بل ظلمٌ يوميٌّ للناس.
فالذي لا يُحسن التدبير يجعل مدينة كاملة تدفع ثمن عجزه، وهنا تبدأ المأساة، لا لأن الإمكانيات قليلة، بل لأن الإرادة غائبة، والأولويات مختلّة، والمحاسبة مؤجلة، فتتراكم الأخطاء حتى يصبح التعثر عادة، ويصير الانتظار قدرًا.
سيدي الرئيس، الكرسي ليس امتيازًا بل امتحان، إمّا أن يكون وسيلة لخدمة الناس وإمّا أن يتحول إلى شاهدٍ عليك، التاريخ لا يحفظ الأعذار بل يحفظ النتائج، والموت واحد لكن أسبابه متعددة، فإن كان فرعون قد انتهى غريقًا فغيره انتهت مسيرته خلف القضبان وغيرُه خرج مثقلًا بندم الناس ودعائهم عليه؛ تختلف النهايات لكن الحساب واحد.
وفي الختام لا نملك إلا دعاءً صادقًا: اللهم اجعل خاتمنا خيرًا من أولنا، ولا تجعل المناصب فتنةً علينا، واكتب لنا أثرًا طيبًا قبل الرحيل، فالإنسان يرحل ولا يبقى إلا ما قدّم؛ إمّا ذكرٌ حسن… وإمّا عبرة. والسلام.



