خريبكة – حي الانبعاث خلف مدرسة أسامة بن زيد… حين يتحول الحي إلى إسطبل وتصمت السلطة

منذ ساعتين
خريبكة – حي الانبعاث خلف مدرسة أسامة بن زيد… حين يتحول الحي إلى إسطبل وتصمت السلطة

بقلم: غزة مجيد

في حيّ الانبعاث، خلف أسوار مدرسة أسامة بن زيد، لا تسمع ضحكات الأطفال أولًا…
بل تشمّ الرائحة.
رائحة شيءٍ متروك، منسيّ، كأن المدينة تعفّنت من الداخل.
خيول مربوطة ، عربات صدئة، فضلات على الأرض، وذباب يدور في الهواء بطمأنينة من يعرف أن لا أحد سيطرده.
الأزقة التي كان يفترض أن تقود إلى المستقبل، تقود اليوم إلى إسطبل.
يمرّ الأطفال فوق الروث في طريقهم إلى المدرسة، كأنهم يتعلمون درسًا آخر غير المكتوب في الكتب:
أن الإهمال أقوى من القانون،
وأن الفوضى حين تسكن مكانًا… تصبح هي النظام.

وضع بيئي وصحي مقلق يهدد سلامة الساكنة ويضرب في العمق صورة المدرسة وحرمة الفضاء العام. كيف يمكن لطفل أن يتعلم قيم النظافة والمواطنة داخل الفصل، ثم يخرج ليجد الروث في طريقه إلى البيت؟

هذا المشهد لا يمكن اعتباره صدفة أو حالة استثنائية، بل هو نتيجة مباشرة لسوء التدبير. فتنظيم العربات المجرورة وإحداث مربط أو إسطبل قانوني ليس مشروعًا معقدًا ولا رفاهية إدارية، بل هو من أبسط اختصاصات الجماعة. غير أن المجلس الجماعي، الذي لا يتوقف عن الحديث عن “التأهيل الحضري” وتحسين جودة العيش، بدو عاجزًا حتى عن حماية محيط مؤسسة تعليمية من الفوضى والتلوث.

المسؤولية هنا ليست جماعية ومبهمة، بل واضحة ومحددة. فالمكان يدخل ضمن النفوذ الترابي للملحقة الإدارية السادسة، أي تحت أعين السلطة المحلية مباشرة. ومع ذلك، يستمر الصمت، وكأن احتلال الأزقة بالدواب، وتلويث الفضاء العام، وتعريض صحة الأطفال للخطر، تفاصيل لا تستحق تدخلاً. فأين دور هذه السلطة في فرض النظام وتحرير الملك العمومي وتطبيق القانون؟ وأي معنى لوجودها إذا كانت الفوضى تستقر على بعد أمتار من مدرسة دون حسيب أو رقيب؟

لسنا ضد مهنيي العربات المجرورة، فهم بدورهم يبحثون عن قوت يومهم، لكن تركهم يشتغلون وسط الأحياء دون تنظيم يسيء إليهم قبل غيرهم. الحل ليس في المنع، بل في التأطير؛ فضاء مخصص، إسطبل منظم، ومراقبة تحمي حقهم في العمل وحق الساكنة في العيش الكريم. أما ترك الأمور سائبة، فليس تسامحًا اجتماعيًا، بل تخلٍ صريح عن المسؤولية.

والمؤلم أن ما يحدث في حي الانبعاث ليس معزولًا عن باقي أعطاب خريبكة. فالمشهد اليومي للمدينة صار سلسلة من الاختلالات المتراكمة: حفر في الأزقة، طرق متآكلة، طين يحاصر الأحياء مع أول مطر، مشاريع متعثرة، ووعود أكثر من الإنجازات. واليوم تُضاف الدواب إلى القائمة، كأن الفوضى قررت أن تستقر نهائيًا.

هنا فقط نفهم عمق المثل الشعبي الذي يردده الناس بمرارة: “ما قدّوه فيل… زادوه فيلة”. لم يستطيعوا إصلاح الحفر، فزادوا الطين. لم يحلّوا مشاكل الأزقة، فتركوا الإسطبلات وسط البيوت. عجزٌ فوق عجز، وخطأ يتبعه خطأ، حتى صارت المدينة تدفع ثمن التراكم لا ثمن حادثٍ واحد.

إلى متى سيظلّ أطفال حيّ الانبعاث يعبرون بين الروائح والفضلات في طريقهم إلى المدرسة؟
إلى متى ستبقى كرامة الناس مؤجلة، كأنها بندٌ ثانوي في دفاتر التدبير؟
متى يستيقظ المجلس الجماعي من سباته الطويل، ويفهم أن المدينة لا تُدار بالخطب، بل بالفعل؟
ومتى تتحرك الملحقة الإدارية السادسة من صمتها، وتدرك أن السلطة ليست مكتبًا ولا ختمًا… بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إدارية؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق