بقلم: غزةمجيد
لم تعد الانتخابات في المغرب مجرد موعد سياسي دوري، بل تحولت تدريجياً إلى ورش تشريعي وإداري متكامل يُعاد ضبطه قبل كل استحقاق. ومع صدور التعديلات القانونية والتنظيمية الأخيرة بالجريدة الرسمية، تبدو الدولة وكأنها ترسم خارطة طريق دقيقة لانتخابات 2026، عنوانها الأبرز: الانضباط الزمني، الرقمنة، وتكافؤ الفرص. فبعيداً عن لغة الشعارات، جاءت النصوص الجديدة لتلامس تفاصيل العملية الانتخابية نفسها، من لحظة الإعلان عن الاقتراع، مروراً بالترشيحات، وصولاً إلى الحملة الإعلامية، وكأن المشرّع يحاول سدّ كل الثغرات التي كانت تُستغل سياسياً أو تنظيمياً في السابق.
أولى الرسائل التي تحملها التعديلات هي أن الانتخابات لم تعد قراراً مفاجئاً أو رهين حسابات اللحظة الأخيرة، إذ أضحى تحديد يوم الاقتراع يتم بمرسوم حكومي يعلن عنه قبل تسعين يوماً على الأقل. هذا المقتضى، في ظاهره تقني، لكنه في العمق سياسي بامتياز، فهو يمنح الفاعلين الحزبيين وقتاً كافياً للإعداد الميداني، وبناء التحالفات، وصياغة البرامج، ويُنهي منطق “السباق ضد الساعة” الذي كان يربك التنظيم ويغذي الشكوك. ببساطة: الدولة تقول للأحزاب والمرشحين إن اللعبة تبدأ مبكراً وبقواعد واضحة للجميع.
أكبر تحول عملي جاء به القانون هو الانتقال إلى المنصة الإلكترونية لإيداع الترشيحات. لم يعد المرشح مضطراً للتنقل بين الإدارات وحمل الملفات والوثائق في سباق بيروقراطي مرهق، إذ أصبح كل شيء يتم رقمياً، مع تحديد أجل نهائي صارم عند الساعة الثانية عشرة زوالاً من اليوم الرابع عشر السابق للاقتراع. هذه الخطوة لها ثلاث دلالات أساسية: تقليص الاحتكاك الإداري وما يرافقه من تأويلات أو تدخلات، وضمان الشفافية وتتبع كل ملف زمنياً، ومساواة الجميع أمام نفس الشروط التقنية. إنها قطيعة واضحة مع ثقافة “الملفات الضائعة” و”آخر لحظة”، ومؤشر على أن الإدارة الانتخابية تتجه نحو نموذج حديث ينسجم مع التحول الرقمي الذي تعرفه مؤسسات الدولة.
وإذا كانت المعركة الانتخابية تُخاض في الشارع، فإنها تُحسم غالباً في الإعلام. ولهذا شددت التعديلات على تنظيم استعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملة الانتخابية، مع الحرص على تكافؤ الفرص بين المتنافسين. المبدأ هنا واضح: لا صوت يعلو بفضل المال أو النفوذ، بل بفضل البرنامج والإقناع. تنظيم الزمن الإعلامي ومنع الاحتكار يضع الجميع في نقطة انطلاق واحدة، ويجعل الناخب أمام أفكار لا أمام ضجيج، وهو رهان حاسم في زمن تتداخل فيه السياسة بالصورة والخطاب الإعلامي أكثر من أي وقت مضى.
وعلى مستوى الترشح لمجلس النواب، تم التشديد على التقييد في اللوائح الانتخابية، والسلامة القانونية وعدم صدور أحكام مانعة، إضافة إلى حالات التنافي مع بعض الوظائف والمسؤوليات العمومية. هذه المقتضيات قد تبدو بديهية، لكنها تعكس توجهاً نحو تخليق الحياة السياسية ومنع تضارب المصالح، فالتمثيل البرلماني ليس امتيازاً، بل مسؤولية عامة، ومن الطبيعي أن يُحيط القانون هذه المسؤولية بسياج أخلاقي وقانوني واضح.
كل هذه التعديلات ترسم صورة انتخابات أكثر تنظيماً ومهنية: آجال مضبوطة، مساطر رقمية، وإعلام مراقَب، وشروط أهلية محددة. لكن التجربة السياسية علمتنا أن قوة القوانين لا تكمن في صياغتها فقط، بل في حسن تنزيلها، فأجود النصوص قد تفقد معناها إن لم تُحترم روحها، وأفضل الآليات قد تُفرغ من محتواها إن لم تُفعَّل بصرامة. لذلك يبقى التحدي الأكبر ليس في كتابة القواعد، بل في تطبيقها بعدالة وشفافية.
ما يجري اليوم ليس مجرد تعديل تقني لقوانين انتخابية، بل محاولة لإعادة هندسة المشهد الانتخابي برمّته؛ انتخابات أقل فوضى، أكثر وضوحاً، وأقرب إلى المعايير الحديثة للحكامة الديمقراطية. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: الديمقراطية لا تُقاس بعدد المواد القانونية، بل بقدرتها على حماية صوت المواطن داخل الصندوق.



