بقلم: غزة مجيد
في مدينة الفوسفاط والعرق والكفاح، ، لم تكن الليلة مجرّد موعد احتفالي عابر، ولا فقرة فنية تُضاف إلى روزنامة الأنشطة.
كانت ليلة تُشبه التاريخ حين ينهض من غباره… ليلة تقول إن العمل النقابي الحقيقي لا يموت، وإن الوفاء حين يقترن بالفعل يصبح حدثاً يُكتب بالحبر العريض.
داخل فضاءات ، التأمت القلوب قبل المقاعد، وامتلأت القاعة بما هو أكبر من الحضور العددي: امتلأت بالثقة.
ثقة التجار والمهنيين في إطارهم، وثقة المنخرطين في قيادة تعرف الطريق، وثقة مدينة كاملة في نقابة اختارت أن تبني بدل أن تشتكي.
لقد نظّمت ليلة الوفاء احتفاءً برأس السنة الأمازيغية 2976، لكن الاحتفال لم يكن شكلاً فولكلورياً، بل رسالة واضحة:
أن النقابة ليست موسماً انتخابياً، ولا لافتة موسمية، بل تاريخ ممتدّ من النضال والتأطير والدفاع عن الكرامة المهنية.
منصّة واحدة… لكن روحاً جماعية.
أهازيج أحواش، وإيقاعات عبيدات الرمى، وأصوات تصعد من عمق التراث المغربي لتقول: نحن أبناء الجذور، لا أبناء الصدفة.
فالفن هنا لم يكن زينة، بل هوية.
والتنظيم لم يكن ارتجالاً، بل هندسة دقيقة تُحترم فيها التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة.
في تلك الليلة، بدا الفرق واضحاً بين من يشتغل بصمت في الميدان، وبين من يكتفي بالشعارات.
بين نقابة تُراكم المصداقية، وجمعيات موسمية تستهلك الكلام.
بين دينامية حيّة تصنع الحدث، وأجسام فقدت البوصلة وتعيش على الهامش.
ليلة الوفاء لم تكن استعراضاً، بل درساً عملياً في معنى النقابة:
تكريم للوجوه التي خدمت، اعتراف بالتضحيات، ومسابقات تُشرك المنخرطين، ثم لحظة إنسانية مؤثرة بتكريم الكاتب الإقليمي محمد أمغار بعمرة رفقة زوجته… لقطة تختصر معنى الوفاء حين يتحول من شعار إلى فعل ملموس.
وهنا بالضبط تتجلّى القوة:
النقابة التي تكرّم أبناءها، تكبر في عيونهم.
والإطار الذي يحفظ الذاكرة، يربح المستقبل.
إنها رسالة صريحة لكل المشهد المهني بخريبكة:
الشرعية لا تُمنح، بل تُكتسب.
والمصداقية لا تُشترى، بل تُبنى بالتراكم والعمل اليومي.
ومن لا يملك التاريخ… لا يصنع التأثير.
لقد أثبتت النقابة الوطنية للتجار والمهنيين أنها اليوم الرقم الصعب، والبيت الجامع، والدينامو الحقيقي الذي يضخّ الحياة في الجسد المهني بالمدينة.
أما البقية، فمدعوون لمراجعة الذات… أو الاكتفاء بالتصفيق من بعيد.
لأن بعض الليالي تمرّ…
لكن ليلة الوفاء بخريبكة بقيت حدثاً يُحكى، ويُحتذى، ويُكتب كنقطة ضوء في ذاكرة العمل النقابي الجاد.



