قانون جديد يقلب المعادلة: الصلح بدل الاعتقال… وفرصة ثانية للمدينين وحماية أكبر للتجار
دخل القانون رقم 71.24، المعدِّل والمتمِّم لمدونة التجارة، حيّز التنفيذ رسميًا بعد نشره في ، معلنًا تحوّلًا عميقًا في فلسفة الدولة تجاه جرائم الشيكات بدون مؤونة، ومُنهيًا مرحلة طويلة كان فيها الخطأ المالي يقود مباشرة إلى الزنزانة.
فلم يعد الشيك المرتجع جريمة سالبة للحرية بالدرجة الأولى، بل نزاعًا ماليًا قابلًا للتسوية. ولم يعد الاعتقال هو القاعدة، بل الأداء والصلح.
القانون الجديد جاء بروح مختلفة؛ روحٍ تُغلّب المنطق الاقتصادي والاجتماعي على المقاربة الزجرية الصرفة، واضعًا نصب عينيه حماية الدورة التجارية واستقرار المعاملات أكثر من ملء السجون.
عقوبات أخف… وعدالة أكثر مرونة
في أبرز التغييرات، تم تقليص العقوبة الحبسية من نطاق كان يصل إلى خمس سنوات، إلى مدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات فقط، في خطوة تعكس توجّهًا واضحًا نحو التناسب بين الخطأ والعقوبة.
كما أسقط المشرّع التجريم نهائيًا عن الشيكات المتبادلة داخل الأسرة، بين الأزواج أو بين الآباء والأبناء، معتبرًا أن هذه القضايا لا مكان لها في المحاكم الجنائية، بل تُحل في الإطار المدني بعيدًا عن منطق العقاب.
أما في باقي الحالات، فقد أصبح أداء قيمة الشيك كافيًا لإغلاق الملف نهائيًا، حتى لو كانت المتابعة جارية أو صدر حكم قضائي. المال يُرجع الحق… والحرية تُستعاد فورًا.
مهلة بدل الأصفاد
ولعل أكثر ما يعبّر عن التحول الجديد، هو منع الاعتقال الفوري بمجرد تقديم الشكاية.
إذ يمنح القانون مهلة شهر كاملة لتسوية الوضعية، قابلة للتمديد، بما يشبه «فرصة ثانية» قبل السقوط في المتابعة الجنائية.
كما خُفّضت الغرامة من نسبة كانت تثقل كاهل المتابعين (25%) إلى 2% فقط، في رسالة واضحة: الهدف ليس العقاب، بل الدفع نحو الوفاء.
إصلاح يخدم الاقتصاد قبل المحاكم
خبراء الاقتصاد يعتبرون أن هذه التعديلات ليست مجرد تغييرات قانونية، بل خطوة استراتيجية لإعادة الثقة في الشيك كوسيلة أداء، وتقليل الاعتماد على النقد، وتعزيز الشفافية المالية داخل السوق.
فالتاجر اليوم لن يخشى السجن بسبب تعثر ظرفي، والمقاولة لن تتوقف بسبب خطأ مالي قابل للتدارك، ما يفتح المجال أمام معاملات أكثر جرأة وحيوية.
من منطق العقوبة إلى منطق الثقة
في الجوهر، لا يتعلق الأمر بتخفيف عقوبات فقط، بل بتحوّل في النظرة إلى الإنسان نفسه:
المدين ليس مجرمًا بالضرورة، بل فاعل اقتصادي قد يتعثر… ويستحق فرصة للإصلاح.
وهكذا، يطوي المغرب صفحة «السجن بسبب الشيك»، ويفتح صفحة جديدة عنوانها: التسوية، الثقة، والعدالة الوقائية.


