بقلم: غزة مجيد
في خضم السجال الدائر حول لقاءات سياسية احتضنتها جهة بني ملال–خنيفرة، يطفو إلى السطح سؤال جوهري يتجاوز الأشخاص والاصطفافات:
متى أصبح الاشتغال السياسي جريمة؟ ومتى صار التواصل مع المنتخبين “تخطيطًا انتخابيًا مشبوهًا”؟
لنرجع خطوة إلى الوراء، بهدوء، بعيدًا عن لغة التخوين، ولنطرح السؤال الحقيقي:
ما هو دور السياسي إن لم يكن جمع المنتخبين، الاستماع إليهم، وتنسيق الجهود من أجل التنمية؟
حين نُدان إن اشتغلنا… ونُدان إن صمتنا
المفارقة العجيبة في هذا الجدل، أننا أمام منطق يُدين الفعل ونقيضه في آنٍ واحد: إن اشتغل السياسي وقام بلقاءات تشاورية واستقطب منتخبين، قيل إنه يُخطّط ويُناور؛ وإن لم يشتغل، واتّخذ مسافة الصمت، قيل إنه غائب ومقصّر. هنا نكون أمام معادلة مغلقة لا تترك أي هامش للفعل، وكأن السياسة مطالبة بأن تكون بلا حركة. بهذا المنطق، لا نُحاسب الأداء، بل نبحث فقط عن سبب للاتهام، وهو ما يُجسّد عمليًا ذلك المثل المغربي البسيط والعميق في آن: “علاش مزغّب؟” سؤال لا ينتظر جوابًا، بقدر ما يُعلن حكمًا مُسبقًا، حيث الخطأ قائم، سواء تحرّكت أم بقيت مكانك.
السياسة ليست غرفة مغلقة… بل فضاء اشتغال
من غير المنطقي، ولا الصحي ديمقراطيًا، أن نطالب الفاعل السياسي بالإنجاز، ثم نُجرّمه حين يتحرك.
عادل بركات، بصفته رئيس جهة ومنتخبًا سياسيًا، لا يشتغل في فراغ، ولا يدير الجهة عن بُعد. من صميم مهامه أن يلتقي رؤساء الجماعات، أن يناقش معهم الإكراهات، وأن يبحث عن سبل تنزيل المشاريع.
فهل المطلوب أن تُدار الجهة بالمراسلات فقط؟
أم أن التواصل المباشر أصبح تهمة حين لا يعجب البعض؟
الإنجاز لا يُنكر… ولو اختلفت النوايا
بعيدًا عن التأويلات، الواقع الميداني يقول إن جهة بني ملال–خنيفرة شهدت خلال السنوات الأخيرة عودة عدد من المشاريع المتوقفة، وتسريع أوراش تنموية في مجالات الطرق، الماء، والتجهيزات الأساسية.
وهنا يطرح السؤال المنطقي:
هل يُعاقَب المسؤول لأنه اشتغل؟
وهل يصبح إنجاز المشاريع “رشوة سياسية” فقط لأن مستفيدها منتخب من حزب آخر؟
الخطير في هذا المنطق، أنه يُفرغ العدالة المجالية من معناها، ويحوّل كل مشروع إلى شبهة، وكل تنمية إلى مؤامرة.
الاستقطاب السياسي… ممارسة مشروعة لا خطيئة
في كل الديمقراطيات، الأحزاب تستقطب، والمنتخبون يُغيّرون مواقعهم بناءً على قناعات أو تقييمات للأداء.
المنتخب الذي يرى أن فضاءً سياسيًا ما يُتيح له الاشتغال وخدمة منطقته، من حقه أن يراجع تموقعه، ما دام يحتكم للقانون والمؤسسات.
أما تحويل هذا النقاش إلى خطاب أخلاقي انتقائي، فيُخفي حقيقة أبسط:
المواطن لا يُحاسب الأحزاب على الشعارات، بل على النتائج.
أين كان هذا الغضب حين توقفت المشاريع؟
الغريب في هذا الجدل، أن كثيرًا من الأصوات التي تهاجم اليوم عادل بركات، صمتت حين كانت جماعات تُعاني التهميش، وحين كانت المشاريع حبرًا على ورق.
لم نسمع حينها حديثًا عن “الولاءات” ولا عن “المال العام”، بل كان الصمت سيد الموقف.
فلماذا يُصبح تحريك المشاريع اليوم مشكلة؟
ولماذا يُختزل النقاش في النوايا بدل الحصيلة؟
الخطر الحقيقي: قتل السياسة باسم الأخلاق
أخطر ما في هذه السجالات، ليس الدفاع أو الهجوم، بل شيطنة السياسة نفسها.
حين نُقنع المواطن أن كل لقاء هو مؤامرة، وكل مشروع صفقة، فإننا لا نُخَلِّق الحياة العامة، بل نقتل ما تبقى منها.
الديمقراطية لا تُحمى بالتخوين، بل بالوضوح، ولا تُقوَّى بمحاكم النوايا، بل بتقييم السياسات العمومية.
يمكن الاختلاف مع عادل بركات، نقده، محاسبته سياسيًا، وهذا حق مشروع.
لكن تحويل الاشتغال السياسي إلى ملف اتهام، واعتبار جمع المنتخبين جريمة، هو انزلاق خطير، لا يخدم الديمقراطية ولا ثقة المواطن.
فلنطرح السؤال الصحيح:
ماذا أُنجز؟ ماذا تعثّر؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟
أما غير ذلك، فليس سوى ضجيج يُربك النقاش، ويُفرغ السياسة من معناها.



