بقلم: غزة مجيد
في مدينة خريبكة، لا تبدأ علاقة المواطن بالمطر من السماء فقط، بل من الأرض أيضًا؛ من الحفر، ومن البرك المائية التي تتشكل عند أول تساقطات، ومن طرقات تختبر جاهزيتها في كل مرة وكأنها تُنجَز من جديد. الجوّ في هذه الأيام يبدو ساحرًا، ضبابيًا، هادئًا، وتؤدي السماء دورها الطبيعي بسخاء: أمطار خفيفة وهواء بارد ومشهد شتوي يليق بمدينة يفترض أن تكون مهيأة للاستمتاع بهذه النعمة.
غير أن هذا الجمال الطبيعي يصطدم بواقع عمراني وتدبيري مرتبك، إذ تكشف التساقطات المطرية مرة أخرى عن هشاشة البنية التحتية، وعن اختلالات مزمنة في تصريف المياه، وصيانة الطرق، وتأهيل الأرصفة. مشاهد البرك المائية، وتفكك الإسفلت، وتعثر حركة السير والراجلين، لم تعد استثناءً ظرفيًا، بل أصبحت صورة متكررة تطرح سؤال الجاهزية والنجاعة.
وتبرز هنا مفارقة لافتة: السماء تؤدي وظيفتها بانتظام ودقة، بينما يظل التدبير المحلي عاجزًا عن مواكبة متطلبات الواقع. فالأمطار لا تُغرق المدينة بقدر ما تُغرق الخطاب الرسمي، وتكشف محدودية برامج “التأهيل الحضري” التي سرعان ما تتآكل أمام أول اختبار مناخي، ما يثير تساؤلات حول جودة الأشغال، وآليات التتبع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن ما تعيشه خريبكة ليس أزمة مطرية عابرة، بل إشكال تدبيري بنيوي، يتجلى في منطق الترقيع بدل التخطيط، وفي تأجيل الصيانة بدل استباقها. فالبنية التحتية لا تعاني فقط تحت الأرض، بل تعاني كذلك تحت ثقل القرارات المؤجلة، وضعف الجرأة السياسية، وغياب تقييم شفاف للمنجزات.
وللتوضيح، فإن هذا النقد لا يستهدف الطبيعة ولا المناخ، ولا يُعادي الجمال، بل يضع الإصبع على مكمن الخلل: كيف تتحول نعمة الأمطار إلى مصدر قلق يومي للمواطن؟ وكيف يصبح التنقل العادي مخاطرة بسبب اختلالات كان من المفترض أن تُعالج ضمن برامج واضحة ومستدامة؟
في خريبكة، تظل السماء ثابتة في قوانينها، بينما يتغير الواقع الحضري ببطء لا يواكب حاجيات السكان. وبين حفرة وبركة ماء وخطاب لا يجف، يجد المواطن نفسه عالقًا في انتظار إصلاح حقيقي. وعندما تُقارن البنية التحتية بحالات ما قبل الإعمار، فإن ذلك ليس من باب المبالغة، بل من باب التنبيه إلى أن إعادة البناء لا تبدأ من السماء، بل من الإرادة السياسية، وجودة التدبير، واحترام ذكاء المواطن.



