بقلم: غزة مجيد
مرّة أخرى، يعود ملف التعليم الأولي إلى واجهة النقاش البرلماني، لا باعتباره قصة نجاح كما تُقدَّم في بعض البلاغات الرسمية، بل كجرحٍ مفتوح في جسد المنظومة التربوية، عنوانه الأبرز: هشاشة المربيات والأساتذة الذين يُناط بهم تشكيل اللبنة الأولى في بناء الإنسان المغربي.
النائب البرلماني محمد والزين وجّه سؤالًا كتابيًا إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، عبر رئاسة مجلس النواب، واضعًا إصبعه على واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في السياسات العمومية:
كيف يمكن الحديث عن “مدرسة الريادة”، بينما يُترك مربّو التعليم الأولي خارج أي أفق للاستقرار المهني أو الكرامة الاجتماعية؟
السؤال البرلماني لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى معطيات صادمة:
أكثر من 30 ألف أستاذة وأستاذ، غالبيتهم من النساء، يشتغلون في التعليم الأولي بأجور لا تتجاوز في أحسن الأحوال 3000 درهم شهريًا، في ظل غلاءٍ يلتهم القدرة الشرائية، وواقع مهني قائم على تفويض التدبير للجمعيات بدل الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية.
ورغم التوجيهات الملكية السامية الصادرة سنة 2018، والتي شدّدت بوضوح على الإدماج التدريجي للتعليم الأولي في سلك التعليم الابتدائي وضمان استقراره وجودته، فإن الواقع الميداني – كما يصفه المعنيون – لا يزال يُدار بمنطق “الوساطة الجمعوية”، بما تحمله من هشاشة، غياب ضمانات، وانعدام أفق مهني.
الأخطر في هذا الوضع، ليس فقط ضعف الأجور أو غياب الاستقرار، بل التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة:
نأتمن هؤلاء المربيات والمربين على الطفولة المغربية، على القيم الأولى، على اللغة، على التكوين النفسي، ثم نحاصرهم بوضعيات اجتماعية أقرب إلى الإقصاء المقنّع.
السؤال البرلماني يذهب أبعد من التشخيص، ويضع الحكومة أمام مسؤوليتها السياسية والتاريخية:
هل هناك تصور زمني واضح لإنهاء الوساطة الجمعوية؟
هل هناك إرادة فعلية لإدماج أساتذة التعليم الأولي في الوظيفة العمومية؟
وهل تحسين الأجور والاستقرار المهني يُعتبران كلفةً زائدة أم استثمارًا في الرأسمال البشري؟
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بفئة مهنية، بل بمصداقية الدولة في تنزيل اختياراتها الاستراتيجية. فالتعليم الأولي ليس قطاعًا ثانويًا ولا مرحلة تجريبية، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه كل الإصلاحات اللاحقة.
وإذا كانت الحكومة تتحدث عن مدرسة المستقبل، فإن السؤال الحقيقي يبقى معلقًا:
أي مستقبل يُنتظر، إذا كان من يزرع البذرة الأولى يعيش على الهامش؟
ملف التعليم الأولي اليوم ليس ملفًا تقنيًا، بل اختبار سياسي وأخلاقي:
إما إنصاف المربيات والأساتذة، أو الاستمرار في إنتاج خطاب جميل… فوق أرضية هشّة.




