بين سطور البلاغ وصوت الناطق الرسمي… رسالة محسوبة إلى من يخلطون بين التنظيم والحكم: كيف قرأ بيتاس خطوة أخنوش

19 يناير 2026
بين سطور البلاغ وصوت الناطق الرسمي… رسالة محسوبة إلى من يخلطون بين التنظيم والحكم: كيف قرأ بيتاس خطوة أخنوش

بقلم: غزة مجيد

ليس كل قرار سياسي يُقاس بوقعه الآني، فبعض القرارات لا تُقرأ في عنوانها، بل في رسائلها الضمنية، وفي السياق الذي صدرت فيه، وفي الجهة التي سارعت إلى تثبيته سياسيًا. وقرار عزيز أخنوش بعدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار يندرج ضمن هذا الصنف من القرارات التي تُقال بهدوء، لكنها تُعيد ترتيب المشهد في العمق.

منذ الإعلان عن القرار، انشغل جزء من النقاش بسؤال تنظيمي مباشر: من سيتولى مفاتيح قيادة الحزب؟
غير أن هذا السؤال، على مشروعيته، ظل ثانويًا سياسيًا، لأن جوهر النقاش لم يكن يومًا في الأسماء، بل في استمرارية الحكومة وموقع رئيسها.

بلاغ حزب التجمع الوطني للأحرار جاء واضحًا، هادئًا، وخاليًا من أي نبرة ارتباك. بلاغ يضع القرار في إطاره الطبيعي: قرار تنظيمي داخلي، لا يمسّ جوهر العمل الحكومي ولا توازنات الأغلبية.

غير أن الإشارة السياسية الأهم جاءت مع تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بيتاس، الذي قال—بوضوح لا يحتمل التأويل—إنه يجب التفريق بين صفة رئيس الحكومة وصفة رئيس الحزب، مؤكدًا أن ما تعلق بالقرار الحزبي لا يؤثر لا على أداء الحكومة ولا على استمراريتها.

وأضاف بيتاس أن الحكومة مستمرة في عملها، وأن الأغلبية الحكومية منسجمة ومتماسكة، وملتزمة بتنفيذ جميع الالتزامات التعاقدية، سواء تلك المرتبطة بالبرنامج الحكومي المصادق عليه من طرف البرلمان، أو بالتزامات الأغلبية فيما بينها.

بهذه الكلمات، لم يكن بيتاس بصدد الدفاع عن شخص عزيز أخنوش، بل كان يُعلن، بلغة الدولة، أن:

رئاسة الحكومة وظيفة دستورية مستقلة عن المواقع التنظيمية.

القرار الحزبي لا يُنتج فراغًا سياسيًا ولا ارتباكًا مؤسساتيًا.

الاستمرارية الحكومية محصّنة سياسيًا ومؤسساتيًا.

ولو أردنا ترجمة هذا المعنى إلى حكمة دارجة تختصر الفكرة دون تزويق، فكأن بيتاس كان يقول لمن يهوّلون ويخلطون:
«اللّي قال العصيدة باردة… أدير يدو فيها».
أي أن من يشكّك في صلابة الحكومة، فليختبر الواقع لا الانطباع، وليقرأ ميزان القوى والمؤسسات لا العناوين المتسرّعة.

هذا التفريق ليس خصوصية مغربية، بل قاعدة راسخة في الديمقراطيات المستقرة.
ففي ألمانيا، عندما تخلّت أنغيلا ميركل سنة 2018 عن رئاسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ساد الاعتقاد أنها “تُهيّئ للرحيل”. لكن الواقع الدستوري كذّب تلك القراءة؛ إذ بقيت ميركل مستشارة لأكثر من ثلاث سنوات بعد ذلك، وقادت الحكومة إلى نهاية ولايتها سنة 2021.

التجربة الألمانية تُؤكد أن: التخلي عن قيادة الحزب لا يعني التخلي عن قيادة الدولة،
والانسحاب التنظيمي لا يُسقط الشرعية التنفيذية.

وهو المنطق نفسه الذي جاءت كلمة بيتاس لتثبيته، حين رفض منطق التهويل، وقطع مع الخلط بين التنظيم والحكم. وكأن الرسالة الثانية، غير المعلنة، تقول:
«اللّي قال ليك العرس ساهل… يسقي ماه».
فالسياسة ليست احتفالًا عابرًا ولا صراع عناوين، بل مسؤولية ثقيلة، تُقاس بالقدرة على الاستمرار لا بالضجيج.

كلمة الناطق الرسمي جاءت لتضع حدًا للتأويل الذي يربط مصير الحكومة بمواقع حزبية. فالمسألة ليست من سيقود الحزب، بل أن: الحكومة قائمة،
والأغلبية قائمة،
والالتزامات قائمة.

ومن خلال الجمع بين بلاغ الحزب وتصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة، تتضح إشارة سياسية دقيقة:
عزيز أخنوش، رغم عدم ترشحه لرئاسة الحزب، لا يزال رئيسًا للحكومة بكامل الصلاحيات، يحظى بدعم سياسي واضح من أغلبيته، وبثقة مؤسساتية لا لبس فيها.

قرار عزيز أخنوش:

ليس انسحابًا من السياسة،

ولا تراجعًا عن المسؤولية،

ولا مؤشر ضعف.

بل هو قرار تنظيمي رافقته كلمة دولة واضحة، أكدت أن رئاسة الحكومة ثابتة، والأغلبية متماسكة، والالتزامات مستمرة.
بهذا المعنى، فإن قرار عزيز أخنوش لا يُضعف موقعه، بل يُحصّنه:
أخنوش لا يزال رئيسًا للحكومة بكامل الصلاحيات، مدعومًا بأغلبيته، ومحصّنًا بالشرعية الدستورية.
لا يسقط القرار…
بل يستقيم.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق