خريبكة… عبور  أطنان الممنوعات: من أين جاءت؟ وكيف مرت؟ ومن يحاسب فراغ الحواجز؟

منذ ساعتين
خريبكة… عبور  أطنان الممنوعات: من أين جاءت؟ وكيف مرت؟ ومن يحاسب فراغ الحواجز؟

بقلم: غزة مجيد

مات رشيد رزوق… سقط وهو يؤدي واجبه، لم يكن في مواجهة عادية، بل في خط تماس مع واقع صار أكثر جرأة وأكثر عنفاً. اليوم نكتب عنه كاسم في سجل الواجب، وغداً… من سيكون الاسم التالي؟ من سيدفع الثمن مرة أخرى؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع، لأن القضية لم تعد حادثاً معزولاً، بل مؤشر على مسار يتكرر بصمت حتى ينفجر.

في الاثنين 16 مارس 2026، لم تكن عملية بني خيرات بإقليم خريبكة مجرد تدخل أمني ناجح انتهى بتوقيف خمسة مشتبه فيهم وحجز كميات كبيرة من المخدرات، بل كانت في عمقها مرآة عاكسة لاختلالات أعمق، تضعنا أمام سؤال الدولة قبل سؤال الجريمة، وأمام سؤال المنظومة قبل تفاصيل الواقعة. نحن أمام لحظة تتجاوز الحدث، لتلامس عمق البنية الأمنية وكيفية اشتغالها على الأرض.

نحن أمام أرقام لا يمكن تبسيطها: 2 كلغ كوكايين، 310 كلغ كيف، 11 كلغ شيرا، وقرابة 73 كلغ من التبغ المهرب. هذه ليست شحنة عادية، بل سلسلة إمداد كاملة، تبدأ من منبع الإنتاج أو التهريب، وتمر عبر مسالك نقل ونقط عبور وشبكات توزيع، لتنتهي عند سوق استهلاكي مفترض. ما تم حجزه هو نهاية المسار لا بدايته، والظاهر ليس سوى جزء صغير من منظومة أوسع.

حين نقول إن الشحنة قادمة من شمال المملكة، فنحن لا نتحدث عن مجرد اتجاه جغرافي، بل عن منظومة تهريب قائمة، تشتغل بمنطق دقيق، وتتكيف مع كل تغيير في المراقبة. هذه الشبكات تختبر المسارات، وتحدد نقاط الضعف، وتختار التوقيت بعناية، وأحياناً تستغل ثغرات بشرية أو تنظيمية، ما يجعلها تسبق التحرك الأمني بخطوة أو أكثر.

الانتقال من الشمال إلى خريبكة يعني عبور مئات الكيلومترات عبر طرق وطنية وجهوية، ونقط مراقبة متعددة. نظرياً، هذا المسار يجب أن يكون محكماً، لكن الواقع يكشف احتمالين: إما قدرات تمويه عالية لدى الشبكات، أو وجود ثغرات في المراقبة، سواء كانت ظرفية أو بنيوية. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نرصد ما يمر فعلاً، أم نكتشفه فقط عند الاصطدام؟

الحواجز الأمنية، سواء التابعة للأمن الوطني أو الدرك الملكي، هي أداة سيادية لضبط المجال، لكن فعاليتها لا تقاس بوجودها فقط، بل بقدرتها على الرصد والتحليل والتدخل. مرور شحنة بهذا الحجم يفتح نقاشاً صريحاً حول نجاعة هذه الحواجز، وحول ما إذا كانت تقوم بدورها الكامل، أم تتحول أحياناً إلى إجراء شكلي يفتقد للفعالية الحقيقية.

الطرق التي تربط الشمال بخريبكة تمر عبر مجالات تدخل الدرك الملكي، خصوصاً في المناطق القروية وشبه الحضرية، ما يطرح سؤال التكامل بين الأجهزة. هل هناك تنسيق لحظي وفعلي يضمن سد كل الثغرات، أم أن هناك توازياً في العمل يخلق مساحات رمادية تستغلها الشبكات؟ في العمل الأمني الحديث، أي فراغ ولو بسيط قد يتحول إلى ممر للجريمة.

نجاح العملية في توقيف المشتبه فيهم لا يخفي أن التدخل تم في مرحلة متقدمة، وهو ما يعيد طرح مفهوم الاستباق. فالأمن لا يقاس فقط بالتدخل، بل بالقدرة على منع الجريمة قبل وقوعها. تأخر التدخل يعني ارتفاع منسوب الخطر، ويجعل المواجهة المباشرة أمراً شبه حتمي، وهو ما حدث فعلاً في هذه العملية.

من الناحية القانونية، ستخضع المحجوزات لمساطر دقيقة قبل إتلافها تحت إشراف النيابة العامة، لكن الرهان الحقيقي ليس في الإتلاف، بل في تفكيك الشبكات من جذورها. لأن القضاء على شحنة واحدة دون معالجة المنظومة التي أنتجتها، يعني ببساطة استمرار نفس الدائرة وإعادة إنتاج نفس التهديد.

ما وقع في بني خيرات ليس مجرد عملية ناجحة، بل مؤشر سياساتي يفرض إعادة قراءة شاملة لمنظومة المراقبة والتنسيق والاستباق. وإذا كان رشيد رزوق قد رحل اليوم وهو يؤدي واجبه… فإن السؤال الذي يبقى معلقاً، ومؤلماً، وضرورياً:
غداً… من سيكون التالي؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق