بقلم: غزة مجيد
لم تكن الوقفة الوطنية التي نظمها المحامون بساحة البرلمان بالرباط حدثا مهنيا عابرا، ولا تعبيرا ظرفيا عن رفض مقتضيات قانونية معزولة عن سياقها، بل كانت لحظة سياسية وحقوقية بامتياز، عبرت فيها مهنة المحاماة عن قلق مشروع من مسار تشريعي يهدد جوهر العدالة ويفرغ حق الدفاع من مضمونه الدستوري.
لقد خرج المحامون تحت المطر، لا طلبا لامتيازات ولا دفاعا عن مصالح فئوية، بل تنبيها الى خطورة مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والذي لا يمكن قراءته فقط من خلال مواده التقنية، بل من خلال فلسفته العامة والمنهج الذي اعتمد في اعداده. فالمشكل ليس في الحاجة الى اصلاح المهنة، فذلك امر محسوم وضروري، وانما في الطريقة التي يراد بها هذا الاصلاح، وفي الاهداف غير المعلنة التي قد تقف خلفه.
ان المحاماة ليست مهنة ادارية قابلة للتقنين بمنطق الضبط والرقابة فقط، بل هي وظيفة دستورية مرتبطة ارتباطا عضويا بحق الدفاع، وبضمانات المحاكمة العادلة، وبالتوازن داخل منظومة العدالة. وحين يتم التعامل مع المحامي باعتباره مجرد فاعل اجرائي داخل المسطرة القضائية، يتم افراغ دوره من بعده الحقوقي، ويختل ميزان العدالة لصالح منطق السلطة على حساب منطق الحق.
وفي تصريح احد المحامين، اعتبر ان ما يجري اليوم لا يتعلق بنقاش تقني حول مواد قانونية، بقدر ما يعكس توجها مقلقا لاعادة ترتيب منظومة العدالة على حساب حق الدفاع، مؤكدا ان اي اصلاح لا ينطلق من استقلال المحاماة يظل اصلاحا ناقصا ومهددا لجوهر المحاكمة العادلة.
مشروع القانون 66.23، في صيغته الحالية، يثير اكثر من سؤال حول حدود استقلال مهنة المحاماة، وحول موقعها داخل منظومة العدالة. فبدل ان يعزز هذا الاستقلال ويوطده، نلاحظ توجها نحو تقييد الادوار وتوسيع منطق الوصاية، وهو ما يشكل تراجعا عن مكتسبات راكمتها المهنة عبر عقود من النضال والترافع والدفاع عن الحقوق والحريات.
ان خطورة هذا المشروع لا تنحصر في اثاره المباشرة على المحامي كمهني، بل تمتد لتطال المواطن نفسه. فكل اضعاف لاستقلال المحامي هو اضعاف لحق المواطن في دفاع حر ومستقل، وكل مساس بالمحاماة هو مساس بثقة المجتمع في العدالة وفي المؤسسات التي يفترض ان تحمي الحقوق لا ان تقنن التضييق عليها.
من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار الاحتجاجات التي يخوضها المحامون اليوم مجرد حراك نقابي، بل يجب فهمها كجزء من معركة اوسع للدفاع عن دولة الحق والقانون. وهي معركة لا تخص المحامين وحدهم، بل تهم كل من يؤمن بان العدالة لا تستقيم بدون دفاع قوي ومستقل، وبان القوانين لا تكون عادلة فقط لكونها صادرة عن البرلمان، بل بمدى انسجامها مع الدستور وروحه الحقوقية.
كمحامين شباب بهيئة خريبكة، اخترنا الانخراط الواعي والمسؤول في هذا المسار النضالي، ليس بدافع الرفض المجرد، بل انطلاقا من قناعة راسخة بان الاصلاح الحقيقي لا يفرض من فوق، ولا ينجز في غياب الفاعلين الحقيقيين، بل يبنى بالحوار والتشاور والاعتراف بالادوار الدستورية لكل مكونات العدالة.
ان البرنامج التصعيدي الذي سطرته جمعية هيئات المحامين بالمغرب يجب ان يقرأ كرسالة سياسية واضحة مفادها ان الصمت لم يعد مقبولا، وان تجاهل صوت المحاماة سيؤدي لا محالة الى تعميق ازمة الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة. فالعدالة ليست مجرد نصوص قانونية، بل منظومة قيم، واساسها الثقة، ولا ثقة بدون استقلال، ولا استقلال بدون احترام حق الدفاع.
واليوم، ونحن نعيش نقاشا عموميا حول اصلاح منظومة العدالة، يطرح السؤال الجوهري نفسه: اي عدالة نريد؟ عدالة قوية بتعدد فاعليها وتوازن ادوارهم، ام عدالة صامتة تدار بمنطق تقني يفرغها من بعدها الانساني والحقوقي؟
ان الدفاع عن المحاماة ليس دفاعا عن مهنة فقط، بل هو دفاع عن المواطن، وعن حقه في الانصاف، وعن دولة يفترض ان تجعل من العدالة ركيزة لا شعارا. وكل اصلاح لا ينطلق من هذا الوعي، محكوم عليه بان يعمق الازمة بدل ان يحلها.


