ليس كل خسارة هزيمة: المغرب بعد النهائي… كيف خرج أقوى؟

19 يناير 2026
ليس كل خسارة هزيمة: المغرب بعد النهائي… كيف خرج أقوى؟

بقلم: غزة مجيد

هل خسر المغرب نهائي كأس إفريقيا؟
نعم، خسر مباراة.
لكن هذا الجواب، على بساطته، لا يكفي. لأنه يختزل حدثًا معقّدًا في رقم، ويُغلق النقاش قبل أن يبدأ، ويُسقط من الحساب ما هو أعمق من لوحة النتائج.

في السياسة كما في الرياضة، ليست كل خسارة هزيمة، ولا كل فوز انتصارًا. أحيانًا تكون الهزيمة تقنية، بينما يكون الفوز استراتيجيًا. وأحيانًا تخسر الكأس، لكنك تربح الدولة. وهذا بالضبط ما حدث.

المغرب خسر تسعين دقيقة، لكنه لم يخسر المسار.
لم يخسر المشروع، ولم يخسر صورته، ولم يخسر ما راكمه خلال سنوات من البناء الهادئ.

وقبل أن نُحاكم النهائي، من الإنصاف – بل من النزاهة – أن نعود خطوة إلى الوراء. هذا المنتخب لم يسقط من السماء إلى النهائي. وصل إليه بعد مسار واضح: ربح مباريات الدور الأول بثبات دون ارتباك، تجاوز الأدوار الإقصائية بتركيز ذهني عالٍ، وأسقط خصومًا اعتادوا لعب النهائيات لا الاكتفاء بالمشاركة. ربح ربع النهائي حين كان الضغط في ذروته، وربح نصف النهائي حين كانت البطولة تبحث عن اسمٍ يُقنع إفريقيا والعالم.

هذا المسار لم يكن صدفة، ولا ضربة حظ، ولا مجاملة تحكيمية. كان ثمرة عمل، وانضباط، وتراكم. ومن يصل إلى النهائي بهذه الطريقة لا يمكن اختزاله في تسعين دقيقة، ولا يُحاكم بلقطة، ولا يُختصر في نتيجة. الهزيمة الحقيقية ليست أن تخسر النهائي، بل أن لا تصل إليه أصلًا.

في المباراة النهائية نفسها، وقعت لحظات لا يمكن القفز عليها. انسحابٌ للمنتخب السنغالي لأكثر من عشرين دقيقة كان، وفق قواعد اللعبة، كافيًا لأن يُغيّر مسار اللقاء. ثم أُعلنت ركلة جزاء، أُهدرت، وكان يمكن لها أن تفتح ألف سيناريو مختلف. لكن كرة القدم، كما الحياة، لا تعترف بـ«لو». وما لا تعترف به الكرة، لا ينبغي أن تُبنى عليه الدول خطاباتها.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين منتخبٍ خسر مباراة، ودولةٍ تعرف كيف تُدير الخسارة. الدولة الواثقة لا تبني خطابها على التحكيم، ولا تُقنع شعبها بالبكاء على الفرص الضائعة، ولا تُحوّل الهزيمة إلى مؤامرة. الدولة الواثقة تُحوّل اللحظة الصعبة إلى درس، وتُعيد ترتيب المعنى، وتواصل الطريق بثبات.

في قلب هذه اللحظة، شاركت العائلة الملكية الشعب فرحته. لم يكن ذلك تفصيلًا عاطفيًا ولا صورة بروتوكولية عابرة، بل فعلًا سياسيًا محسوبًا. رسالة واضحة مفادها أن الرياضة في المغرب جزء لا يتجزأ من المشروع الوطني، وأن كرة القدم ليست ترفًا جماهيريًا ولا مناسبة موسمية، بل رافعة سيادية، وصورة دولة، واستثمار طويل النفس.

الدول التي تخسر، تترك شعوبها وحيدة أمام لحظة الانكسار. أما الدول الواثقة، فتختار أن تحضر في اللحظة، لا لتجميلها، بل لتحويلها إلى قوة رمزية تُعيد الثقة، وتؤكد أن ما يُبنى لا يسقط بنتيجة مباراة.

ثم جاءت برقية جلالة الملك محمد السادس. ولم تكن تعزية لمنتخب خاسر، بل تهنئة لمسار مشرف. حين يؤكد جلالته أن المثابرة والجدية والروح الجماعية هي السبيل لتحقيق الإنجازات، فهو لا يقيّم مباراة واحدة، بل يقرأ مسارًا كاملًا. وحين يربط الأداء الرياضي بالاستثمار في العنصر البشري وبعصرنة البنيات التحتية التي أبانت عن جاهزيتها العالمية، فهو يضع كرة القدم داخل منطق السياسات العمومية، لا داخل منطق الحظ والانفعال.

وحين يعتبر جلالة الملك استضافة المغرب لهذه البطولة رسالة أمل وثقة من المغرب إلى قارته الإفريقية، فهنا بالضبط تنتهي المباراة ويبدأ التاريخ. لأن الدول لا تُقاس بما تفوز به فقط، بل بما تُقدّمه لغيرها من نماذج.

كيف نقول خسرنا، والمغرب ربح ملاعب عالمية بمواصفات عالمية؟
المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، ملاعب مراكش، أكادير، فاس… ليست مجرد فضاءات رياضية، بل بنيات سيادية جاهزة لاستحقاقات أكبر، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. هذه الملاعب ليست نتيجة النهائي، بل نتيجة رؤية، واستثمار، وقرار.

ثم جاء موقف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بإدانة السلوكيات غير الرياضية التي شابت النهائي. في لغة المؤسسات، هذه ليست إدانة للمغرب، بل اعتراف ضمني بأن المباراة خرجت عن منطقها الطبيعي. وتبع ذلك اعتذار مدرب المنتخب السنغالي، والاعتذار لا يُقدَّم لمن لا وزن له.

كل هذه المعطيات تقول شيئًا واحدًا:
المغرب لم يُهزم، بل اجتاز اختبارًا.

اختبار التنظيم،واختبار الصورة، واختبار النضج الجماعي،اختبار القدرة على الخسارة دون انكسار.نعم، خسرنا الكأس.لكننا ربحنا الاحترام،
وربحنا الثقة،وربحنا دولة تعرف كيف تفوز دون غرور،كيف تخسر دون ضجيج.الفوز الحقيقي،
ليس دائمًا ما يُرفع في منصة،بل ما يبقى في الوعي.لمغرب، في هذه البطولة،
لم يرفع الكأس…لكنه رفع الدولة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق