بقلم:غزة مجيد
بمجرد أن شهدت مدينة سبتة هذا الأسبوع محاولات للهجرة غير النظامية، انطلقت حملة واسعة لتحميل رئيس الحكومة المسؤولية، وكأننا أمام تطبيق حرفي للمثل المغربي: “طاحت الصومعة… علّقوا الحجام.” فكلما وقع حدث يثير الرأي العام، يصبح أسهل حل هو البحث عن مسؤول واحد نعلّق عليه كل الإخفاقات، ولو كانت الظاهرة أعقد من أن تُختزل في شخص أو مؤسسة.
هذا المنطق قد يكون مريحًا سياسيًا، لكنه لا يساعد على فهم الواقع، ولا يقود إلى حلول حقيقية. فالهجرة غير النظامية ليست ظاهرة مغربية خالصة، بل تحدٍّ عالمي تعرفه دول ذات إمكانيات اقتصادية كبيرة، وتتشابك فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وتربوية وإعلامية ونفسية.
نعم، الحكومة تتحمل مسؤوليتها في وضع وتنفيذ السياسات العمومية، ولا أحد يجادل في ذلك. لكن هل الحكومة وحدها مسؤولة عن تأطير الشباب؟ وهل رئيس الحكومة هو من يفترض أن يملأ الفراغ الذي تتركه المؤسسات الوسيطة عندما تبتعد عن المواطنين؟
هنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: أين الأحزاب السياسية من الشباب بين استحقاقين انتخابيين؟ فالدستور لم يمنحها فقط حق التنافس على المقاعد، بل حمّلها أيضًا مسؤولية التأطير السياسي للمواطنين. فكم مقرًا حزبيًا يفتح أبوابه يوميًا للشباب؟ وكم لقاءً فكريًا أو تكوينيًا يُنظم خارج موسم الانتخابات؟ وكم شابًا يجد داخل الأحزاب فضاءً للاستماع إليه، بدل الاكتفاء بالبحث عنه عندما يحين موعد الاقتراع؟
إن الأحزاب مطالبة اليوم بأن تعود إلى وظيفتها الأصلية: أن تكون مدارس للمواطنة، ومنابر للحوار، وفضاءات لصناعة الأمل، لا أن تتحول إلى مقرات صامتة لا تستيقظ إلا مع الحملات الانتخابية.
ولا يمكن كذلك تجاهل الدور الذي لعبه بعض صناع المحتوى والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي. فبعضهم، بحسن نية أو بسوء تقدير، ساهم في نشر محتوى قدّم الهجرة غير النظامية بصورة جذابة أو استثنائية، فيما تعامل آخرون مع الأحداث بمنطق السبق والمشاهدات، دون إيلاء الاهتمام الكافي لما قد يتركه ذلك من أثر في نفوس الشباب. ولسنا هنا بصدد اتهام أحد، لكن التأثير الذي تمتلكه المنصات الرقمية اليوم يفرض على أصحابها مسؤولية أخلاقية واجتماعية لا تقل أهمية عن حرية التعبير.
كما أن الأسرة، والمدرسة، والمجتمع المدني، والإعلام، كلها مؤسسات تتحمل نصيبها من المسؤولية في بناء الوعي، وتعزيز الثقة، وفتح آفاق المشاركة أمام الشباب.
إن اختزال كل هذه المسؤوليات في رئيس الحكومة وحده لا يفسر ما حدث، بل يختزل قضية وطنية معقدة في معركة سياسية عابرة. فالأوطان لا تُدار بمنطق البحث عن “المتهم” بعد كل أزمة، بل بمنطق توزيع المسؤوليات والقيام بها.
إذا أردنا فعلًا أن نقلل من مثل هذه الظواهر، فعلينا أن نعيد الاعتبار للتأطير السياسي، وأن نطالب الأحزاب بفتح مقراتها أمام الشباب طوال السنة، وأن نُشجع المجتمع المدني على مضاعفة أنشطته، وأن يتحمل الإعلام وصناع المحتوى مسؤوليتهم في الخطاب الذي يقدمونه. فالشباب لا يحتاج إلى من يخاطبه في موسم الانتخابات، بل إلى من يرافقه في صناعة الأمل كل يوم.
إن ما وقع هذا الأسبوع ينبغي أن يكون جرس إنذار للجميع، لا للحكومة وحدها. فحين يغيب التأطير، وتتراجع مؤسسات الوساطة، وتترك الساحة لخطابات سريعة على المنصات الرقمية، تصبح النتيجة مسؤولية جماعية، كما يجب أن يكون الحل مسؤولية جماعية.
فبدل أن نكتفي بالقول: “حاسبوا رئيس الحكومة”، لنسأل أيضًا: ماذا قدم كل واحد منا، وكل مؤسسة، وكل حزب، وكل فاعل مدني، وكل مؤثر، حتى لا يرى بعض شبابنا مستقبلهم خارج وطنهم؟ عندها فقط سنكون قد انتقلنا من منطق البحث عن شماعة، إلى منطق بناء الحل.


![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":[],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{"transform":2,"remove_bg":2},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":true,"containsFTESticker":false}](https://rue36.com/wp-content/uploads/2026/07/Picsart_23-08-09_19-50-23-563.jpg)

