بقلم: غزة مجيد
قراءة في بلاغ مكتب الجمعية ومسار مشروع القانون
أصدر مكتب ، بتاريخ 11 فبراير 2026، بلاغًا رسميًا عقب اجتماع مفتوح خُصّص لتدارس نقطة فريدة تتعلق بمسار مشروع قانون مهنة المحاماة. ويأتي هذا البلاغ في سياق مهني ومؤسساتي دقيق، يتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة التنفيذية والجسم المهني، وبمستقبل التنظيم القانوني للمهنة وأدوارها الدستورية.
أولًا: السياق المؤسساتي للقاء
حسب البلاغ، استمع المكتب إلى تقرير رئيس الجمعية بشأن اللقاء الذي جمعه بـ ، رئيس الحكومة، بدعوة من هذا الأخير. وقد وُصف اللقاء بأنه اتسم بنقاش “مسؤول وصريح”، وهو توصيف يحمل دلالة سياسية وقانونية؛ إذ يعكس انتقال الحوار من مستوى التوتر والاحتجاج إلى مستوى التفاوض المؤسساتي المنظم.
وتجلّت أبرز مخرجات اللقاء في:
- التنويه بمبادرة رئيس الحكومة عقد اجتماع مباشر مع رئيس الجمعية.
- الدعوة إلى تشكيل لجنة مشتركة تحت إشراف رئاسة الحكومة، تضم مكتب الجمعية، لفتح نقاش “مسؤول، جاد، وتشاركي” بشأن مشروع قانون المهنة.
- تسجيل قرار عدم إحالة المشروع على البرلمان إلى حين انتهاء أشغال اللجنة.
هذه المعطيات تعكس، من منظور قانوني دستوري، تفعيلًا لمنهجية التشاركية المنصوص عليها في روح دستور 2011، خاصة في ما يتعلق بإشراك الفاعلين المهنيين في صياغة النصوص المنظمة لمهنهم.
ثانيًا: الأبعاد القانونية لمشروع قانون المهنة
يمس مشروع قانون مهنة المحاماة بنية مرفق العدالة ككل، بالنظر إلى المكانة الدستورية للمحامي باعتباره شريكًا أساسيًا في تحقيق الأمن القضائي وضمان المحاكمة العادلة. ومن ثمّ، فإن أي تعديل تشريعي يطال:
- استقلال المهنة،
- حصانة الدفاع،
- شروط الولوج والتنظيم التأديبي،
- علاقة المحامي بالسلطة القضائية والنيابة العامة،
يُعدّ ذا أثر مباشر على ضمانات التقاضي وعلى التوازن بين السلط.
بلاغ المكتب أبرز تمسك الجسم المهني بـ“الثوابت والأركان الأساسية” للمهنة، وفي مقدمتها الاستقلال والحصانة. وهما مبدآن لا يُنظر إليهما كامتياز مهني، بل كضمانة للمتقاضي وللحق في الدفاع.
ثالثًا: قراءة في منهجية “إعادة بناء الثقة”
أشاد البلاغ بإرادة رئيس الحكومة في “إعادة بناء الثقة”، وهو تعبير سياسي يعكس إدراكًا لحساسية المرحلة السابقة. فالعلاقة بين السلطة التنفيذية وهيئات المحامين لم تكن، خلال الأسابيع الماضية، تخلو من توتر مردّه التخوف من تمرير المشروع في صيغته الأولية دون توافق واسع.
إن قرار عدم إحالة المشروع على البرلمان قبل انتهاء أشغال اللجنة يمثل، في التحليل المؤسساتي، آلية تهدئة وتثمين للحوار، ويكرّس مبدأ التشاور قبل التشريع، بما ينسجم مع فلسفة الدولة القانونية القائمة على التوازن والتشارك.
رابعًا: تعليق العمل والعودة إلى تقديم الخدمات
من أبرز ما تضمنه البلاغ دعوة المحامين إلى العودة إلى تقديم الخدمات المهنية ابتداء من الاثنين 16 فبراير 2026، بعد الإشادة بصبر وصمود مكونات الجسم المهني.
هذه الخطوة تؤكد أن تعليق العمل كان وسيلة ضغط تفاوضية، وأن العودة جاءت كنتيجة مباشرة لتوفر ضمانات سياسية ومؤسساتية للحوار.
من الناحية القانونية، يبرز هنا توازن دقيق بين:
- حق المهنيين في الاحتجاج دفاعًا عن استقلالهم،
- وواجب استمرارية مرفق العدالة وعدم الإضرار بحقوق المتقاضين.
خامسًا: الدلالة الرمزية للبيان
اختُتم البلاغ بشعار: “عاشت المحاماة حرة، مستقلة وأبية”، وهو تعبير ذو حمولة رمزية قوية، يعكس البعد القيمي للمهنة باعتبارها جزءًا من الضمانات الديمقراطية. كما أن توقيع النقيب الحسين الزياني على البلاغ يمنحه طابعًا رسميًا ويؤكد وحدة الموقف المؤسساتي.
خلاصة تحليلية
يمكن اعتبار هذا البلاغ محطة انتقالية في مسار مشروع قانون مهنة المحاماة، انتقل فيها النقاش من منطق المواجهة إلى منطق التفاوض المنظم.
ويبقى نجاح المرحلة المقبلة رهينًا بمدى:
- التزام اللجنة المشتركة بمنهجية تشاركية حقيقية،
- احترام الثوابت الدستورية للمهنة،
- بلورة نص قانوني يوازن بين تحديث الإطار التنظيمي وضمان استقلال الدفاع.
إن مهنة المحاماة، بوصفها أحد أعمدة العدالة، ليست مجرد تنظيم مهني، بل فضاءً لحماية الحقوق والحريات. ومن ثمّ فإن أي إصلاح تشريعي يطالها ينبغي أن يُصاغ في ضوء فلسفة دولة الحق والقانون، لا في منطق تدبير تقني صرف.


