أخنوش يعلن الانسحاب… والشك يرفض مغادرة المشهد

14 يناير 2026
أخنوش يعلن الانسحاب… والشك يرفض مغادرة المشهد

بقلم: غزة مجيد

لنعد خطوة أخرى إلى الوراء، ليس فقط إلى قرار عدم الترشح، بل إلى ما هو أعمق: إلى القواعد التي نعرفها، ثم نتجاهلها حين لا تخدم مزاج الشك.

التجمع الوطني للأحرار حزبٌ له نظام أساسي واضح، مكتوب، ومُعلن، ينص صراحة على أن رئاسة الحزب تكون لولاية انتدابية كاملة. قاعدة تنظيمية باردة، لا روح فيها، لكنها في السياسة أهم من النوايا، وأقوى من التأويل.

ومع ذلك، تمّ الترويج إعلاميًا لأسماء لا تنطبق عليها هذه القاعدة، من بينها اسم الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، وكأننا—مرة أخرى—نفضّل الحكاية المثيرة على النصّ الواضح.

هنا تبدأ المفارقة. نحن نعلم القاعدة، لكننا نُصدّق الاستثناء. نقرأ النظام الأساسي، ثم نُغلقه، ونفتح باب الإشاعة.

غير أن اختيار القيادة الجديدة لحزب التجمع الوطني للأحرار ليس مسألة أسماء فقط، ولا سباق طموحات فردية، بل هو عملية سياسية مركّبة، تخضع لاعتبارات أعمق، تتعلق بطبيعة الاختيارات والرهانات التي يضعها الحزب لتدبير المرحلة المقبلة سياسيًا، وانتخابيًا، وتنظيميًا.

وهنا بيت القصيد. المرحلة لم يُحسم فيها بعد، لأن الأمر—كما تفيد المعطيات—لا يحتاج قرارًا فرديًا، بل جوابًا جماعيًا عن الرسائل السياسية التي يرغب حزب التجمع الوطني للأحرار في بعثها، ليس فقط إلى خصومه، بل حتى إلى حلفائه داخل المشهد السياسي.

هنا تتحول السياسة إلى سؤال بامتياز: هل القائد هو من يُختار، أم المرحلة هي التي تختار قائدها؟

أعلن أخنوش عدم ترشحه، فاهتزّ الشك. لكن الحزب لم يُعلن بعد عن خياره البديل، لأن الرسالة لم تكتمل، ولأن السياسة—حين تكون واعية—لا تُدار بالسرعة، بل بالمعنى.

لنفترض—والافتراض هنا يقينٌ مُطعَّم بالشك—أن اتصالًا هاتفيًا هو من طلب من أخنوش عدم الترشح. وكل من يعرف منطق السلطة يدرك أن ليس كل اتصال يُشبه غيره، وأن الهاتف الذي يرنّ لرئيس حزب ليس كأي هاتف، . لكن حتى هذا الافتراض، بكل ثقله الرمزي، لا يستقيم مع منطق الغضبة. فالغضبة، حين تكون، لا تُدار عبر الأسلاك، ولا تُقال بنبرة عابرة، ولا تُختزل في مكالمة. الغضبة في هذا البلد لها طقوس أخرى، ولها ما يتبعها من أفعال لا تخطئها العين، ولا تحتاج إلى تأويل أو تحليل.

ونعلم أيضًا أن أصحاب القرار، حين يريدون، لا يختبئون، ولا يرسلون الإشارات الملتبسة، ولا يتركون التعليمات مجالًا للتأويل. تُنفَّذ الأمور بوضوح، ويُحترم التسلسل، ويُفهم المقصود دون حاجة إلى الضجيج. فلماذا إذن نُفرط في التحليل؟ ولماذا نُحمّل القرار أكثر مما يحتمل؟ ربما لأننا لا نُجيد مراجعة الذات بقدر ما نُجيد تفكيك النوايا. وربما—وهذا احتمال لا يقل مشروعية—أن لعزيز أخنوش قراءته الخاصة، وأنه، ببساطة، أراد أن يستريح قليلًا من السياسة، من ثقلها، ومن شكوكها التي لا ترحل حتى حين يرحل أصحابها.

ومع ذلك، نعود إلى السؤال المغربي القديم، القاسي، الذي لا يرحم:«علاش مزغّب؟»

نشكّ في الانسحاب كما نشكّ في البقاء. نشكّ في النص، ونشكّ في التأويل، ونشكّ حتى في القاعدة حين لا تُنتج صدمة.

في الأدب ، الإنسان لا يضيع لأنه لا يعرف القوانين، بل لأنه لا يثق بها، لأنه يبحث دائمًا عمّا وراءها، حتى لو لم يكن هناك شيء.

لسنا مع التجمع، ولا ضد التجمع. لسنا مع أخنوش، ولا ضد من سيأتي بعده.

لكننا أمام مشهد يكشف أكثر مما يُخفي: أزمة ثقة في السياسة، وأزمة قراءة في التنظيم، وأزمة مجتمع لا يُصدق الفعل الواضح إلا إذا كان ملتبسًا.

وفي النهاية، ربما السؤال الحقيقي ليس: من سيرأس حزب التجمع الوطني للأحرار؟

بل: هل نحن مستعدون يومًا أن نُصدق السياسة حين تمشي وفق قواعدها، لا وفق شكوكنا؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق