زنقة36_غزة مجيد
في مدينة خريبكة،وتحديدًا في شارع محمد السادس قرب دار الشباب وعلى مرأى من الجميع، يقف مشهد من أبسط مشاهد الإهمال، وأكثرها فتكاً في صمت: علبة كهربائية مكشوفة، مهترئة، وأسلاكها العارية ، دون غطاء ولا حراسة، ولا حتى شريط تحذيري. هذه ليست تفاصيل من تقرير تقني، بل واقع ملموس في شارع محمد السادس، أحد أهم شرايين المدينة، حيث يمر الأطفال، والطلبة، والعمال، والنساء يومياً، على بُعد خطوات من احتمال الموت بالصعق الكهربائي.
هذا الواقع الصامت لا يمكن تبريره بانقطاع مؤقت في خدمات الصيانة، ولا يمكن عزوه إلى خلل تقني عابر. ما نراه هنا هو نتيجة مباشرة لـ غياب ثقافة الصيانة الوقائية، وغياب رقابة حقيقية على البنية التحتية الحيوية، بل وغياب المجلس الجماعي نفسه عن أداء أدواره الأساسية. فالمجالس ليست مجرد مؤسسات انتخابية، بل مسؤوليات يومية تبدأ من تفاصيل كهذه وتنتهي عند حماية الحياة العامة للمواطنين.
فهل نحتاج إلى ضحية، إلى مأساة تنقلها وسائل الإعلام، كي تتحرك الجهات المسؤولة؟
وهل يُعقل أن تبقى تجهيزات كهربائية بهذا المستوى من الخطورة في حي سكني نشيط، دون تحرك من السلطات التقنية أو المنتخبين أو حتى ممثلي المجتمع المدني؟
إنه سؤال أخلاقي وسياسي، قبل أن يكون فنياً أو إدارياً.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في نموذج التدبير المحلي، وفي مسؤولية كل طرف داخل هذا النسق، خصوصاً حين يتعلق الأمر بسلامة المواطنين في الفضاء العام. فالأعطاب التقنية قابلة للإصلاح، لكن الأعطاب المؤسساتية التي تسمح باستمرار الخطر رغم وضوحه، فهي مؤشر على خلل أعمق: غياب الحكامة، غياب المساءلة، وغياب استباق الأزمات قبل وقوعها.
من هنا، فإن ساكنة خريبكة لا ترفع فقط صوت الاحتجاج، بل تُوجه نداءً عقلانياً:
إصلاح فوري لهذا الخطر الكهربائي المحدق.
وضع منظومة تتبع ومراقبة حقيقية، تُلزم الجهات المكلفة بالصيانة ببرمجة دورية معلنة وشفافة.
تحمل المجلس الجماعي لمسؤولياته كاملة أمام القانون وأمام الساكنة.
إن ما يحدث ليس مجرد حالة من الإهمال، بل هو مرآة تعكس عمق الأزمة التي يعيشها تدبير الشأن المحلي حين تغيب الرقابة وتُهمّش الكفاءة. فالأخطار لا تنبت من الفراغ، بل من تراكم التقصير وصمت المؤسسات.
اليوم، لا نحتاج إلى بيانات تبريرية، بل إلى إرادة فعلية تتحرّك بجدية وشفافية، تُنقذ الأرواح قبل أن تُحصي الضحايا. لأن الكرامة الإنسانية تبدأ من أبسط الحقوق: أن يمشي المواطن في شارع آمن، دون أن يخاف أن يُصعق لأنه اقترب خطأً من صندوق كهربائي مهمل.
فليكن هذا النداء صرخة يقظة، لا اتهاماً. دعوة للإصلاح، لا للتشهير. ورجاءً بأن يعود الحس العمومي إلى مكانه الطبيعي: في قلب القرار، وفي خدمة الإنسان.