خريبكة – 29 يوليوز 2026
ليست كل القضايا تنتهي عند أول حكم، ولا كل قرار قضائي يغلق باب الحقوق نهائيًا. فالقضاء، بطبيعته، يقوم على تعدد درجات التقاضي، وعلى إمكانية مراجعة الأحكام متى تبين وجود تأويل قانوني يستوجب التصحيح. وهذا ما يجسده المسار القضائي الذي خاضه عبد الصمد خناني، والذي انتهى بإعادته إلى اللوائح الانتخابية بعد معركة قانونية امتدت لأكثر من سنتين.
بدأت القضية بقرار المحكمة الدستورية الصادر في 9 غشت 2024، الذي قضى بتجريده من عضويته بمجلس النواب، استنادًا إلى حكم جنائي نهائي وما ترتب عنه من آثار قانونية في ذلك الوقت. وقد اعتبر كثيرون حينها أن القرار يشكل نهاية لمساره السياسي، وأن عودته إلى المشهد الانتخابي أصبحت مستبعدة.
غير أن عبد الصمد خناني لم يسلك طريق الاستسلام، ولم يتنازل عن حقه في الدفاع عن مركزه القانوني، بل اختار الاحتكام إلى المؤسسات القضائية، مستنفدًا جميع الوسائل التي يكفلها القانون، في تجسيد لمبدأ أن الحقوق تُنتزع عبر المساطر القانونية لا عبر التأويلات أو الانطباعات.
وجاء التحول الحاسم مع قرار محكمة النقض بتاريخ 21 ماي 2026، التي نقضت الحكم المؤيد لقرار التشطيب على اسمه من اللوائح الانتخابية، وأعادت الملف إلى المحكمة الابتدائية بخريبكة لإعادة البت فيه. واعتبرت محكمة النقض أن تجريده من المقعد البرلماني لا يعني تلقائيًا فقدان حقه في التسجيل باللوائح الانتخابية، وأن هذا الأثر لا يقوم إلا على أساس نص قانوني صريح.
وانسجامًا مع هذا التوجه، أصدرت المحكمة الابتدائية بخريبكة حكمًا قطعيًا يقضي بإلغاء قرار اللجنة الإدارية، والأمر بإعادة تسجيل عبد الصمد خناني في اللوائح الانتخابية، مع ترتيب جميع الآثار القانونية المترتبة عن ذلك.
ولا يقف هذا الحكم عند حدود شخص عبد الصمد خناني، بل يكرس مبدأ قانونيًا بالغ الأهمية، مفاده أن الإدارة، مهما كانت سلطتها، تبقى خاضعة لرقابة القضاء، وأن الحقوق السياسية لا يمكن تقييدها إلا في الحدود التي يرسمها القانون، لا وفق تأويلات توسعية أو اجتهادات تتجاوز منطوق الأحكام القضائية.
كما تكشف هذه القضية عن قيمة الضمانات التي يوفرها القضاء المغربي، حيث لا يكون الحكم الابتدائي أو الاستئنافي نهاية المطاف، بل تبقى محكمة النقض حارسًا لحسن تطبيق القانون، بما يضمن توحيد الاجتهاد القضائي وحماية الحقوق.
سياسيًا، تعيد هذه الأحكام اسم عبد الصمد خناني إلى دائرة النقاش مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، بعدما اعتقد كثيرون أن خروجه من المشهد أصبح نهائيًا. أما قانونيًا، فإن القضية تؤكد أن الدفاع عن الحقوق عبر المؤسسات والقضاء قد يفضي إلى إعادة ترتيب الآثار القانونية، متى تبين أن التطبيق السابق لم يكن منسجمًا مع صحيح القانون.
إن هذا الملف يبعث برسالة واضحة: في دولة المؤسسات، لا تُحسم الحقوق بالانطباعات ولا بالأحكام المسبقة، وإنما بما يستقر عليه القضاء بعد استنفاد جميع درجات التقاضي. وقد اختار عبد الصمد خناني هذا الطريق حتى نهايته، ليحصل في النهاية على حكم أعاد إليه حقه في التسجيل باللوائح الانتخابية، مؤكدًا أن التمسك بالمساطر القانونية يظل السبيل الأنجع لصون الحقوق وترسيخ سيادة القانون.


