بقلم: غزة مجيد
في سياق يفرض استحضار هيبة القانون قبل أي اعتبار آخر، يبرز دور عامل إقليم خريبكة بوصفه ممثل السلطة المركزية والضامن الأول لاحترام القرارات التنظيمية وحماية السلم الصحي والاجتماعي داخل المجال الحضري. ومن هذا المنطلق، جاءت المراسلة العاملية الأخيرة كتعبير مؤسساتي مسؤول عن حرص السلطة الإقليمية على تصحيح اختلالات ظلت لسنوات محل شكايات متكررة وتنبيهات متتالية، وفي مقدمتها ظاهرة بيع الدجاج الحي داخل الأحياء السكنية خارج الضوابط القانونية.
في نفوذ الملحقتين الإداريتين الثانية والثالثة، لا يحتاج المرء إلى مجهر لاكتشاف حجم الاختلال. أحياء كاملة تحولت إلى فضاءات ذبح عشوائي، دم يُغسل بالماء الآسن، وروائح تُفرض على الساكنة كقدر يومي. هنا لا يُخرق القرار الجماعي فقط، بل تُفرّغ فكرة التنظيم من معناها، وتُدفن الأسواق النموذجية وهي ما تزال على قيد اللافتة.
الاجتماع الذي أشرف عليه باشا المدينة شكّل لحظة كاشفة. لم يكن الاتهام صاخبًا ولا انفعاليًا، بل خرج بهدوء قاتل من داخل المهنة نفسها. أحد أعضاء تنسيقية جمعيات حرفيي الدجاج قالها بلا مواربة: هناك تفريخ لمحلات بيع الدجاج الحي في الملحقتين الثانية والثالثة، في تحدٍّ صريح للنص وللعقل. وحين يأتي التشخيص من الداخل، تسقط كل الذرائع، ويغدو الإنكار شكلًا من أشكال العمى الإرادي.
ورغم محاضر المعاينة، وتوصيات اللجان المختلطة، واستنفاد لغة التنبيه، استمر الوضع كما هو، وكأن القانون اقتراح غير ملزم، وكأن المراسلة العاملية مجرد حبر إداري. هنا ينتقل الملف من خانة الخلل التقني إلى مستوى السؤال الأخلاقي قبل القانوني: من يملك جرأة تعطيل القرار؟ ومن يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والفوضى إلى نظام؟
في خريبكة، لم يعد النقاش حول الدجاج في حد ذاته، بل حول السلطة التي تُنفّذ والسلطة التي تتفرّج. وحين يصل عامل الإقليم إلى دق ناقوس الخطر، فذلك لأن الخطر لم يعد محصورًا في الذبح العشوائي، بل في اعتياد الخرق، وفي إدارة الظهر للقانون حتى يصبح غريبًا في مدينته.
بعد هذه المراسلة، لم يعد التأجيل حكمة، ولا الصمت تعقّلًا. لقد دخل الملف لحظة الحقيقة: إمّا تطبيق القانون، أو الاعتراف بأن الفوضى صارت أقوى من القرار. وفي مثل هذه اللحظات، تُقاس هيبة الدولة… لا بما تقول، بل بما تفعل.




