بقلم: غزة مجيد
في خريبكة، لا تُرتكب الجرائم ليلًا فقط، بل تُرتكب نهارًا، في وضح الرؤية، بلا صراخ، بلا دم، وبلا أثر لأداة الجريمة. إنها جرائم من نوع آخر… جرائم الصمت، والتأجيل، والتعوّد على الاختلال.
هنا، لا يُسمع صوت الرصاص، بل صرير الزمن وهو يمر فوق مشاريع متوقفة، ووعود مؤجلة، وملفات تُركت لتغبرّ فوق المكاتب. المحطة الطرقية تقف كمتهمٍ صامت، لا يُدان ولا يُبرّأ، كأنها إنسان أُودع زنزانة النسيان لا لجرم اقترفه، بل لأن أحدًا لم يملك الجرأة لفتح ملفه. أما المجزرة الجماعية، فهي الجريمة الأكثر هدوءًا. مشروع كان يفترض أن يحمي الصحة العامة، فإذا به يتحول إلى رمز للتعطيل، وإلى شاهد صامت على ارتباك القرار، وتآكل الإرادة. هنا لا نبحث عن سكين، ولا عن فاعل متلبّس، بل عن مسؤولية ضاعت بين المكاتب، وتحوّلت إلى هوامش في تقارير لم تُقرأ.
في روايةٍ ما، يُدان البطل لأنه ارتكب الجريمة، أو لأنه صمت طويلًا قبل أن يعترف. وفي خريبكة، يبدو أن الصمت ذاته صار نظامًا، وأن التأجيل تحوّل إلى قاعدة، وأن الانتظار أُلبس لباس الحكمة.
ومع ذلك، فإن الخطابات الملكية كانت واضحة: الهدر التنموي ليس خطأً إداريًا، بل إخلال بالمسؤولية، والوقت المهدور دين في عنق من تولّى الشأن العام. وإذا كان الزمن قد طال، فإن المسؤولية لا تسقط بالتقادم.
من هنا، يصبح تدخل السيد عامل إقليم خريبكة ضرورة، عبر فتح تحقيق إداري ومفتشية مستقلة، تعيد ترتيب الوقائع، وتحدد مكامن الخلل، وتضع حدًا لمنطق الإفلات من المحاسبة. فالمواطن لم يعد يسأل: لماذا تعثرت المشاريع؟ بل صار يسأل بمرارة: من يحمي هذا التعثر؟ وفي مدينة أنهكها الانتظار، لم يعد الصمت حيادًا… بل صار شراكة غير معلنة في الجريمة.




