بقلم: غزة مجيد
لم تكن سالي تصرخ.
لم تكن تشكو.
كانت تفهم، منذ وقت مبكر، أن الألم حين يُقال بصوت عالٍ يفقد تأثيره، وأن القسوة الحقيقية لا تحتاج إلى شهود.
في الملجأ الذي عاشت فيه، كان كل شيء مُعدًّا للعرض:
جدران نظيفة، أسرّة مرتبة، وابتسامات تُستخرج عند حضور الزوار كما تُستخرج الأوراق الرسمية من الأدراج.
أما في الداخل، حيث لا كاميرات ولا تقارير، فكان الصمت يعمل عمله بجدٍّ مريع.
عاشت سالي القسوة في الخفاء، لا لأنها وحدها، بل لأن القسوة حين تتحول إلى نظام تصبح غير مرئية.
كانت تُعامَل كرقم، كعبء، ككائن يجب تهذيبه لا احتضانه.
ومع ذلك، كانت تُقدَّم للعالم على أنها محظوظة، تعيش الرفاهية، محاطة بالرعاية.
وهنا، لا يعود السؤال عن سالي.
بل عنّا.
عن مراكز إيواء عندنا، تُرفع فيها الشعارات ذاتها، وتُستعمل اللغة نفسها:
“العناية”،“الكرامة”، “الاهتمام”.
لكن هل كل ما يُقال يُعاش؟
وهل كل ما يُصوَّر يُصدَّق؟
دوستويفسكي لم يكن ليبحث عن الجاني في الأفراد فقط، بل في البنية نفسها، في ذلك الاتفاق الصامت بين من يعرفون ومن يفضّلون ألّا يعرفوا.
القسوة لا تسكن في الضرب وحده، بل في الإهمال، في التغاضي، في تحويل الإنسان إلى ملف.
فهل كانت سالي مجرد قصة كرتونية؟
أم أنها مرآة ناعمة لطفولةٍ تُقمع اليوم بأيدٍ نظيفة وخطابٍ أنيق؟
السؤال يبقى معلقًا:
هل تتكرر قصة سالي من شاشة الرسوم… إلى واقع مراكز الإيواء؟





