بقلم: غزة مجيد
ليست كل الأسئلة البرلمانية إجراءً رقابيًا روتينيًا، ولا كل القرارات الإدارية محكومة بمنطق التقويم الزمني وحده. فهناك لحظات، حين تبلغ ذروة رمزيتها الوطنية، تتحوّل فيها التفاصيل التقنية إلى قضية دولة، ويغدو التوقيت نفسه موضوعًا للنقاش العمومي.
ما طُرح في الساعات الأخيرة لا يدخل في خانة المجاملة السياسية، ولا في منطق الاستثمار الشعبوي، بل يتعلق بـ سؤال كتابي رسمي واحد، واضح ومفصّل، وجّهه محمد أوزين، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب، إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، بشأن إمكانية تأجيل الامتحانات الإشهادية المقررة يوم الاثنين 19 يناير، بالنظر إلى تزامنها مع نهائي كأس أمم إفريقيا المغرب 2025 المرتقب يوم الأحد 18 يناير.
السؤال، في بنيته السياسية، لا يطعن في المدرسة، ولا يُفرغ الامتحان من رمزيته، بل يضع الحكومة أمام معادلة التوازن بين الاستحقاق التربوي واللحظة الوطنية الجامعة. وهو توازن لا يُقاس بالأيام، بل بقدرة المؤسسات على قراءة السياق، والتفاعل العقلاني مع نبض المجتمع.
المنتخب الوطني المغربي، الذي بلغ نهائي كأس أمم إفريقيا عقب فوز مستحق على المنتخب النيجيري بركلات الترجيح (4-2) بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، لم يصنع حدثًا رياضيًا فقط، بل فجّر حالة التفاف وطني غير مسبوقة، جسّدت وحدة الشعب المغربي داخل الوطن وخارجه، في مشهد يعكس عمق الانتماء وقوة الرمز.
وفي هذا السياق، استحضر محمد أوزين، في سؤاله الكتابي، البعد الاستراتيجي للإنجاز، مهنئًا جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على الرؤية الملكية التي قادت إلى بناء منظومة رياضية متكاملة، جعلت المغرب فاعلًا قارياً ودوليًا، ببنيات تحتية وتنظيم محكم أبهرا المتتبعين، ورسّخا صورة دولة قادرة على تحويل الرياضة إلى رافعة تنموية ووحدة وطنية.
غير أن جوهر السؤال لا يكمن في الإشادة، بل في القرار العمومي.فكيف نطالب التلميذ بالتركيز في امتحان مصيري، ونحن نضعه نفسيًا على تماس مباشر مع لحظة وطنية استثنائية؟ وكيف نُدرّس قيم المواطنة والانتماء، ثم نعجز عن إدماجها في التدبير العملي للزمن المدرسي؟
الدعوة إلى تأجيل الامتحانات ليوم واحد ليست تراجعًا عن الصرامة التربوية، بل اختيار عقلاني يراعي البعد النفسي والبيداغوجي، ويمنح التلميذ هامش توازن بين الفرح الجماعي والاستعداد الأكاديمي. فالدولة القوية لا تخشى الفرح، والمؤسسة الواثقة لا ترى في اللحظة الوطنية تهديدًا للانضباط.
الكرة اليوم في ملعب وزارة التربية الوطنية، والقرار المنتظر لن يُقاس فقط بنتائج الامتحانات، بل بمدى قدرة الحكومة على الإنصات الذكي، واحترام الذكاء الجماعي، والتفاعل المرن مع لحظة إجماع وطني نادرة.
الجواب المنتظر من وزارة التربية الوطنية لن يكون تقنيًا فقط، بل سياسيًا ورمزيًا، يُقاس بمدى قدرة المؤسسات على الإصغاء، وعلى احترام ذكاء المجتمع، وعلى إدراك أن المدرسة ليست معزولة عن الوطن، وأن الوطن، حين يفرح، يستحق أن تفهمه مؤسساته.




