طبيب وحيد تحت الضغط… حين تُستنزف كرامة الأطر الصحية ويُهدَّد حق المواطن في العلاج

9 يناير 2026
طبيب وحيد تحت الضغط… حين تُستنزف كرامة الأطر الصحية ويُهدَّد حق المواطن في العلاج

في زاوية الشيخ، لا يتعلق الأمر بخلاف إداري عابر ولا بسوء تقدير مؤقت، بل بقصة طبيب واحد يُطالَب بأن يكون نظامًا صحيًا كاملًا لوحده، في مدينة يفوق عدد سكانها 40 ألف نسمة. طبيب وحيد، يشتغل ليلًا ونهارًا، 24 ساعة على 24، دون تعويض عن الحراسة أو الخدمة، ودون حق في الراحة أو الرخصة السنوية، وفي غياب أبسط شروط العمل اللائق.

هذا الوضع غير الطبيعي، الذي كشفت عنه النقابة الوطنية للصحة العمومية المنضوية تحت لواء الفدرالية الديمقراطية للشغل ببني ملال، يطرح سؤالًا أكبر من حالة فردية: كيف تُدار المنظومة الصحية حين يُترك طبيب وحيد في الواجهة، بينما تُمارَس عليه ضغوط إدارية بدل دعمه؟

الأخطر في الملف ليس فقط الاستنزاف المهني والجسدي، بل ما وصفته النقابة بمحاولات ملتوية وغير أخلاقية لتشويه صورة الطبيب وضرب مصداقيته، في مشهد مقلوب تُستهدف فيه الحلقة الأضعف، بدل مساءلة من يتحمل مسؤولية الخصاص البنيوي وسوء التدبير.

حين يُجبَر طبيب على الاشتغال دون توقف، فإننا لا نُهين مهنيًا فقط، بل نُغامر بصحة آلاف المواطنين. فالحق في العلاج لا ينفصل عن كرامة من يُقدّمه، وأي مساس بالأمن النفسي والمهني للأطر الصحية هو مساس مباشر بالخدمة العمومية نفسها.

ما يجري في زاوية الشيخ لا يمكن تبريره بمنطق التدبير الإداري. إنه تعسف صريح وإجحاف ممنهج، يكرّس سياسة الكيل بمكيالين، ويكشف خللًا عميقًا في فهم معنى المسؤولية داخل المرفق الصحي. فالإدارة، بدل أن تبحث عن حلول حقيقية للخصاص، تختار الطريق الأسهل: الضغط، والتجاهل، وترك الطبيب وحيدًا في مواجهة ضغط العمل وضغط الاتهام معًا.

بيان الفدرالية الديمقراطية للشغل لم يأتِ من فراغ. هو صرخة إنذار قبل أن يتحول الإرهاق المهني إلى كارثة إنسانية أو صحية. تحميل الإدارة الوصية كامل المسؤولية عن أي تبعات محتملة ليس تهديدًا، بل توصيف دقيق لمنطق المحاسبة الذي يفترض أن يسود.

الرسالة واضحة:
لا يمكن إصلاح الصحة العمومية باستنزاف من تبقى من أطرها.
ولا يمكن الحديث عن حق المواطن في العلاج، بينما يُنتهك حق الطبيب في الراحة والكرامة.

زاوية الشيخ اليوم ليست استثناءً، بل مرآة لوضع أوسع. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستتدخل الجهات المسؤولة لتصحيح هذا الاختلال، أم سننتظر حتى ينهار آخر جدار في منظومة أنهكها الصمت والتدبير الترقيعي؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق