بحضور رئيس رابطة التعليم الخاص بالمغرب، احتفال استحضر مسيرة مؤسسة صنعت أجيالا، وجمع بين الوفاء لروادها، والانفتاح على أحدث المقاربات التربوية، وترسيخ ثقافة الاعتراف بالتميز.
تغطية : إدريس سحنون
احتضنت مؤسسة “آفاق المعرفة” للتعليم المدرسي الخصوصي بمدينة اليوسفية، في الحادي عشر من يوليوز 2026، احتفالية تربوية، ثقافية وازنة، بصمت من خلالها على مسار عقدين من الزمن، رافعة شعار “20 سنة من بناء المعرفة وتجويد الفضاء التربوي”.
في هذا المحفل الذي يمزج بين عبق الذاكرة وطموح المستقبل، التقت النخب الرسمية والتربوية، يتقدمها باشا المدينة والسيد محمد الحنصالي رئيس رابطة التعليم الخاص بالمغرب، إلى جانب مؤسس المؤسسة السيد عزالدين القباج وثلثة من أعضاء الرابطة، لتتحول المناسبة من مجرد احتفال بروتوكولي إلى محطة تأمل واستحضار لإرث معرفي تشكل عبر عقدين من البذل والعطاء.
لم تكن هذه المسيرة مفروشة بالورود، بل كانت نتاج رؤية إنسانية وتحديات هيكلية استعرضها القباج بكثير من الاعتزاز؛ حيث استهل كلمته بلمحة وفاء وترحيب حار بجميع الحاضرين، مخصا بالذكر أولئك الذين تكبدوا عناء السفر لمشاركتهم هذا الحدث، في إشارة بليغة تعكس تجذر البعد الإنساني في الثقافة المؤسساتية لـ”آفاق المعرفة”. واعتبر القباج في خطابه أن التفوق والريادة اللذين تبوأتهما المؤسسة بالمنطقة لم يكونا نتاج طفرة عابرة، بل هما ثمرة “عقيدة العمل الجماعي” المتواصل، محولا الخطاب من تمجيد الذات إلى الإشادة بالجهد التراكمي المشترك للأطر والشركاء والأسرة التربوية ككل.
ومن جانبه، التقط السيد محمد الحنصالي هذه الإشارات ليعطي للحدث أبعادا أعمق وسياقا وطنيا أشمل؛ إذ بدأ بتقديم عبارات الشكر والامتنان للجنة المنظمة التي سهرت على إخراج هذا المحفل بإتقان، مثمنا هذه المبادرة الرائدة وعمق دلالاتها. وقرأ الحنصالي في قدرة مؤسسة تعليمية على تنظيم لقاء بهذا الحجم والزخم العلمي دليلا ساطعا على نضج قطاع التعليم الخصوصي؛ واصفا المؤسسة بالنموذج الحي الذي يترجم قدرة المدرسة الخصوصية على الارتقاء من دور “المرفق المساعد” إلى مرتبة “الشريك الاستراتيجي الفعلي” في صياغة ملامح المنظومة التربوية الوطنية وتجويدها، لتتكامل الرؤى بين التقييم المؤسساتي الرصين والاحتفاء الإنساني الدافئ.
ولعل الذاكرة الحية للمؤسسة كانت الحاضر الأكبر، إذ ترجمت في شريط وثائقي رصد التطور البنيوي والتجهيزاتي للمؤسسة، تخللته شهادات مؤثرة لقدماء التلاميذ؛ فكانت كلماتها بمثابة مرآة تعكس الأثر المستدام للمؤسسة في بناء شخصياتهم وصقل مساراتهم العلمية والمهنية. هذا البعد الإنساني تلاقى بسلاسة مع رغبة المؤسسة في تأصيل النقاش.
وفي السياق العلمي تعزز الحدث بمدخلين علميين شكلا “المتن الفكري” والعمق التحليلي للمناسبة، ناقلين إياها من سياق احتفائي عاطفي إلى أفق بيداغوجي رصين يلامس إشكالات التعليم المعاصر في زمن “السيولة الرقمية”.
وفي هذا الإطار البيداغوجي، تم تقديم ورقتين بحثيتين متميزتين شكلتا واجهة علمية رصينة لتفكيك تحديات الممارسة الصفية المعاصرة ومواكبة الثورات المعرفية؛ حيث قارب الدكتور محمد الخمسي معضلة العصر بمداخلة رصينة تحت عنوان “مهارة التركيز في زمن التشتت الرقمي”، مشخصا من خلالها أزمة بنيوية يعاني منها الجيل الحالي، وهي أزمة “السيولة الانتباهية” الناتجة عن التدفق اللامتناهي للمعلومات عبر الوسائط الرقمية. فكك الخمسي مفهوم “التركيز” بوصفه عملة نادرة في بيئة تكنولوجية مصممة خصيصا لجذب الانتباه وتحقيق الأرباح من خلال نظام “اقتصاد الانتباه”، موضحا أن كثرة المثيرات البصرية والسمعية تؤدي إلى “الإنهاك المعرفي”، حيث يفتقر المتعلم إلى القدرة على ترحيل المعلومات من الذاكرة العاملة إلى الذاكرة بعيدة المدى، مما ينتج عنه تحصيل دراسي سطحي وهش. وبدلا من المنع التعسفي، أسس المحاضر لمفهوم “الترشيد الرقمي” كبديل واقعي، راهنا نجاحه بمدى تماسك الجسور التواصلية بين الأسرة والمدرسة لصياغة عقد اجتماعي-تربوي يحمي الناشئة ويستعيد الفضاء المدرسي كملاذ آمن للتأمل والاستيعاب العميق.












